الدكتور الجامعي أبو الشتاء
باتت قضية الحماية الرقمية للأطفال تتصدر واجهة النقاش العمومي في المغرب، في ظل تنامي المخاطر المرتبطة بالاستخدام المتزايد لمنصات التواصل الاجتماعي من طرف القاصرين، مقابل محدودية النصوص القانونية المؤطرة لهذا المجال وتشتتها، فضلاً عن عدم مواكبتها للتحولات المتسارعة في عالم الجرائم الرقمية.
ويأتي هذا الجدل الوطني في سياق دولي يعرف ما يشبه “ثورة تشريعية” تقودها دول أوروبية وغربية، من قبيل فرنسا وأستراليا وإسبانيا والبرتغال، من أجل تقنين أو حظر ولوج القاصرين إلى منصات التواصل الاجتماعي قبل بلوغ سن معينة، غالباً 15 أو 16 عاماً، بهدف كسر حلقات الإدمان الخوارزمي والحد من مخاطر التنمر الإلكتروني والاستغلال الرقمي.
ناقوس خطر حول الطفولة الرقمية
في المغرب، يتزايد القلق بشأن التبعات النفسية والسلوكية لوسائل التواصل الاجتماعي على فئة الأطفال القاصرين، خاصة في ظل ولوجهم غير المقيد إلى مضامين رقمية تفتقر في كثير من الأحيان إلى الضوابط العمرية الصارمة. ويجد عدد من الأطفال أنفسهم أمام محتويات عنيفة أو غير أخلاقية أو موجهة للراشدين، ما يهدد توازنهم النفسي ونموهم السلوكي السليم.
ويحذر مهتمون من أن غياب رقابة فعالة وتشريعات دقيقة قد يدفع بعض الناشئة نحو ممارسات وسلوكات “لا علاقة لها ببراءة الطفولة”، مؤكدين أن الخطر لا يتوقف عند حدود الضرر الفردي، بل يمتد ليطال استقرار الأسرة وسلامة المجتمع ككل، في ظل تأثيرات رقمية عابرة للحدود يصعب التحكم فيها دون إطار قانوني متكامل.
ترسانة قانونية مشتتة
ورغم توفر المغرب على نصوص قانونية تجرم بعض الأفعال المرتبطة بالفضاء الرقمي، مثل الاستغلال الجنسي للقاصرين عبر الوسائط الإلكترونية، أو جرائم الاستدراج والتشهير وتركيب الصور، إلا أن هذه المقتضيات تبقى متفرقة ولا تشكل منظومة متكاملة للحماية الرقمية الشاملة للطفل.
ويرى متتبعون أن المرحلة الراهنة تفرض الانتقال من منطق التجريم اللاحق إلى منطق الوقاية الاستباقية، عبر سن تشريعات خاصة تؤطر بشكل دقيق ولوج القاصرين إلى المنصات الرقمية، وتحدد مسؤوليات الأسر والشركات المزودة للخدمات الرقمية، فضلاً عن تعزيز آليات المراقبة والرصد المبكر للمحتويات الموجهة للأطفال.
نحو مدونة تنظيمية للولوج الرقمي
ومن بين المقترحات المطروحة، إحداث “مدونة تنظيمية للولوج الرقمي” تقنن بصرامة كيفية ولوج القاصرين إلى منصات التواصل الاجتماعي، مع فرض قيود تقنية تضمن التحقق من السن بشكل فعلي، ومنع حصول القاصرين على شرائح هاتفية دون رقابة أبوية صارمة أو ربطها بهوية الولي القانوني.
كما يدعو مهتمون إلى تفعيل آليات مراقبة مستمرة ورصد استباقي للمحتوى الذي يستهدف الأطفال، وإلزام المنصات الرقمية باحترام معايير خاصة بحماية القاصرين، سواء من حيث الخوارزميات أو الإشهار أو جمع المعطيات الشخصية.
تجارب دولية ملهمة
النقاش المغربي يتقاطع مع موجة تشريعية عالمية متسارعة. ففي يناير 2026، صادق البرلمان الفرنسي على مشروع قانون يحظر استخدام وسائل التواصل الاجتماعي للأطفال دون سن 15 عاماً، على أن يدخل حيز التنفيذ في شتنبر المقبل، في خطوة وُصفت بالتاريخية. ويهدف التشريع إلى حماية اليافعين من “الحلقات الإدمانية” للخوارزميات ومن مخاطر التنمر الإلكتروني، حيث اعتبر الرئيس إيمانويل ماكرون أن الأمر يتعلق بضرورة ملحة لحماية عقول الأطفال.
من جهتها، أعلنت كل من إسبانيا والبرتغال في فبراير 2026 عن خطط لحظر ولوج القاصرين دون سن 16 عاماً إلى منصات التواصل الاجتماعي، بينما تدرس دول أخرى، مثل المملكة المتحدة والدنمارك وإيطاليا، سن تشريعات مماثلة.
أما أستراليا، فتُعد أول دولة تطبق حظراً فعلياً وشاملاً منذ دجنبر 2025، حيث منعت القاصرين دون سن 16 عاماً من امتلاك حسابات على منصات مثل “إنستغرام” و”تيك توك” و”إكس”، في تجربة تتابعها عدة حكومات باهتمام كبير.
بين الحماية والحرية
في خضم هذا النقاش، يبرز تحدي التوفيق بين حماية الطفولة الرقمية وضمان الحق في الولوج إلى المعلومة والتكنولوجيا. فالمطلوب، بحسب فاعلين تربويين وحقوقيين، ليس فقط المنع أو الحظر، بل بناء وعي رقمي لدى الأسر والأطفال، وإدماج التربية الرقمية في المناهج الدراسية، إلى جانب تحديث الإطار القانوني بما يواكب التحولات المتسارعة للعالم الرقمي.
ويبقى الرهان الأساسي أمام المغرب هو صياغة رؤية متكاملة للحماية الرقمية، تجمع بين التشريع الصارم، والمراقبة الفعالة، والتحسيس المجتمعي، حتى تظل التكنولوجيا أداة للمعرفة والانفتاح، لا مدخلاً لتهديد براءة الطفولة واستقرار المجتمع.










