الرباط : أنوار لاركو
تعتبر الحمية الغذائية المتوسطية واحدة من أكثر الأنظمة الصحية شهرة في العالم، بفضل فوائدها المثبتة في الوقاية من أمراض القلب والأوعية الدموية.
وقد أظهرت دراسة حديثة أن هذا النمط الغذائي يظل فعالا في تقليل المخاطر، حتى مع إدخال لحم البقر الخالي من الدهون ضمن مكوناته، مقارنة بالنظام الغذائي الأميركي التقليدي المعروف بارتفاع نسب الدهون المشبعة والصوديوم.
دراسة علمية على أرض الواقع
الدراسة، الممولة من الجمعية الأميركية لمربي الماشية، نشرت في مجلة جمعية القلب الأميركية، وجاءت بعنوان طويل لكنه معبّر: “تأثير كميات متفاوتة من لحم البقر قليل الدهون كجزء من نمط غذائي متوسطي على ميكروبات الأمعاء ومستقبلات البلازما والبراز والبول: تجربة تغذية عشوائية متداخلة مُتحكّم بها”.
شارك في هذه التجربة 30 شخصا بالغا من ولاية بنسلفانيا، جميعهم يتمتعون بصحة جيدة بشكل عام، وامتدت الدراسة على أربع جولات غذائية، استمرت كل واحدة منها أربعة أسابيع.
تمت مقارنة النظام الغذائي الأميركي التقليدي – الذي يتضمن 71 غرامًا يوميًا من لحم البقر قليل الدهون لكل 2000 سعرة حرارية – مع ثلاث نسخ من النظام المتوسطي تحتوي على كميات متفاوتة من نفس اللحم (14 أو 71 أو 156 غرامًا يوميًا لكل 2000 سعرة حرارية).

ماذا وجد الباحثون؟
بعد جمع عينات الدم والبول على مدار 24 ساعة، إضافة إلى عينات البراز عند خط البداية ونهاية كل فترة، ثم تحليلها باستخدام تقنيات متقدمة مثل الرنين المغناطيسي وتسلسل جينات الرنا الريباسي “إس 16”، خرجت النتائج التالية:
النظام المتوسطي كان أعلى في تنوع ميكروبات الأمعاء، وهو مؤشر مهم على صحة الجهاز الهضمي والمناعة.
النظام الأميركي التقليدي سجّل مستويات أعلى من الكولين البرازي، وهو عنصر غذائي يشبه في خصائصه فيتامينات المجموعة (ب)، ويدخل في تفاعلات كيميائية عديدة داخل الجسم.
تناول لحم البقر قليل الدهون ضمن الحمية المتوسطية أدى إلى إنتاج كمية أقل من أكسيد ثلاثي ميثيل أمين النيتروجين، وهو مستقلب ارتبط في دراسات سابقة بزيادة مخاطر الإصابة بأمراض القلب.
الصوديوم كان أقل بكثير في الحمية المتوسطية (أقل من 2300 ملغ لكل 2000 سعرة حرارية)، مقارنة بالنظام الأميركي الذي تجاوز 3500 ملغ.
ما الذي يميز الحمية المتوسطية؟
الحمية المتوسطية ليست مجرد خطة غذائية، بل أسلوب حياة متوارث في دول مثل اليونان وإيطاليا وإسبانيا، تقوم على تناول وفير للخضروات والفواكه، الحبوب الكاملة، البقوليات، وزيت الزيتون كمصدر أساسي للدهون،كما تشجع على تناول الأسماك بانتظام، مع تقليل اللحوم الحمراء والمنتجات المصنعة.
هذا التوازن بين المكونات هو ما يجعلها فريدة، حيث تجمع بين الطعم اللذيذ والفوائد الصحية المثبتة علميا.
خلاصة علمية بنكهة متوسطية
رغم الصورة النمطية التي تربط لحم البقر بزيادة مخاطر أمراض القلب بسبب الدهون المشبعة، إلا أن هذه الدراسة تثبت أن تناوله بكمية معتدلة، شرط أن يكون خاليا من الدهون وفي إطار حمية متوسطية متوازنة، لا يلغي الفوائد الكبيرة للقلب.
ليست المسألة في قطعة اللحم بحد ذاتها، بل في النظام الغذائي ككل، وحين يكون النظام متوسطيا، غنيا بالخضار والفواكه وزيت الزيتون والأسماك، فإن المخاطر تقل بشكل ملحوظ.
الحمية المتوسطية ليست فقط تقليدا غذائيا في بلدان البحر الأبيض المتوسط، بل أسلوب حياة أثبت العلم أنه يحمي القلب ويدعم الصحة، وحتى لو كنت من محبي لحم البقر، فالخبر السعيد هو أنك لست مضطرا للتخلي عنه تماما، السر يكمن في الاعتدال، اختيار النوع قليل الدهون، ودمجه ضمن نظام متوسطي متوازن.










