البرنامج هو العهد والمحاسبة هي الفيصل
في مكناس، لا يتعلق الأمر هذه المرة بمجرد اسم يُضاف إلى لائحة المرشحين، ولا بصورة انتخابية عابرة تنتهي بانتهاء الحملة. ترشيح حسن اليماني عن حزب الاستقلال يضع أمام الناخبين تجربة برلمانية وجماعية قائمة، ويضع أمام المرشح في المقابل مسؤولية أكبر: أن يقول بوضوح ماذا يريد أن يفعل، وماذا سيتعهد بتحقيقه، وكيف سيقبل بمحاسبته بعد أن تُغلق صناديق الاقتراع.؟
يدخل السيد حسن اليماني هذه الانتخابات التشريعية بدائرة مكناس محملاً بتجربة سابقة داخل المؤسسة البرلمانية، وبمسار في تدبير الشأن الجماعي باعتباره رئيساً لجماعة سيدي سليمان مول الكيفان. وهي تجربة تمنحه معرفة مباشرة بالملفات التي تشغل المواطنين، لكنها في الوقت نفسه تجعل سقف الانتظارات أعلى، لأن الناخب لا يتعامل مع مرشح جديد بالكامل، وإنما مع منتخب سبق أن مارس المسؤولية ويمكنه أن يقدم حصيلته قبل أن يطلب ثقة جديدة.
واليماني، الذي اختار حزب الاستقلال تجديد الثقة فيه، يراهن على رصيد سياسي وميداني يجمع بين العمل البرلماني والحضور المحلي. وتكشف المعطيات المنشورة بموقع مجلس النواب عن عدد من الأسئلة التي حملها إلى المؤسسة التشريعية، وتناولت قضايا ذات صلة مباشرة بمكناس ومحيطها، من الصحة في العالم القروي إلى الطرق والفلاحة والماء والبنيات والخدمات الأساسية.
لم تكن الأسئلة البرلمانية التي تقدم بها اليماني منفصلة عن انشغالات المجال الترابي، فقد شملت ملفات مرتبطة بإحداث وتجهيز مرافق صحية بالعالم القروي، وتأهيل مراكز صحية، فضلاً عن قضايا تهم التنقل والسلامة الطرقية.
ومن بين الملفات كذلك التي حظيت بالمتابعة موضوع إقامة جسر لعبور الراجلين بالطريق السيار بجماعة سيدي سليمان مول الكيفان، إلى جانب مطالب مرتبطة بالبنيات الطرقية والخدمات الأساسية، وهي قضايا تبدو محلية في ظاهرها، لكنها تعكس في العمق مطالب يومية تبحث عن طريقها إلى المؤسسات الحكومية والبرلمان.
وتحضر القضايا الفلاحية بدورها ضمن الملفات التي اشتغل عليها اليماني برلمانياً، من الحبوب والأعلاف إلى تسويق المنتجات الفلاحية ودعم المنتجين، فضلاً عن قضايا الماء والسدود التلية وتبسيط بعض المساطر المرتبطة بالبناء في الوسط القروي.
وهذه الملفات ليست تفصيلاً في دائرة مثل مكناس، التي تتداخل فيها المدينة مع مجال قروي واسع له خصوصياته الاقتصادية والاجتماعية. لذلك فإن أي برنامج انتخابي جدي مطالب بأن يجعل العالم القروي جزءاً أساسياً من تصور التنمية، .
هنا تحديداً يبدأ الاختبار الحقيقي لحسن اليماني.
فحسن اليماني لا يقدم وعودا فضفاضة من قبيل تحسين الصحة أو تطوير التعليم أو دعم التشغيل؛ بل له دراية و معرفة بما هي الأولويات؟ وما الذي يمكن للنائب أن يدافع عنه؟ وما هي الملفات التي سيتعهد بتتبعها؟ وما هي الآليات التي سيعتمدها لتحويل المطالب المحلية إلى قضايا داخل المؤسسة التشريعية والحكومة؟
ومن هذه الزاوية، فإن برنامجه الانتخابي ليس مجرد وثيقة للحملة، وإنما عقداً سياسياً وأخلاقياً مع المواطنين. كل وعد فيه يمكن أن يصبح لاحقاً موضوع سؤال ومساءلة ومقارنة بين ما قيل قبل الاقتراع وما تحقق بعده.
لذلك فدعم ترشيح حسن اليماني، بالنسبة إلى من يقتنع بتجربته وبرنامجه وقدرته على تمثيل مكناس، لا يعني منحه شيكاً على بياض. فالانتخابات تمنح الثقة، لكنها لا تلغي حق المواطن في المراقبة والمساءلة.
وإذا حصل اليماني على ثقة الناخبين، فإن اليوم الموالي للاقتراع سيكون بداية مرحلة جديدة، عنوانها: ماذا تحقق؟
وسيكون من حق سكان دائرة مكناس أن يعودوا إلى البرنامج الانتخابي، وأن يسألوا عن الوعود المتعلقة بالصحة والتعليم والتشغيل والنقل والطرق والفلاحة والماء والعالم القروي والخدمات العمومية، وأن يقارنوا بين الالتزامات والنتائج.
تجربة سابقة.. ومسؤولية أكبر
الميزة الأساسية التي يحملها اليماني في هذه الانتخابات هي أن الناخبين يعرفون أنه خاض تجربة برلمانية سابقة، ولذلك فإن حملته لا تبدأ من الصفر. أمامه حصيلة يمكن عرضها، وملفات يمكن توضيح مآلها، ومطالب يمكن تحديد ما تحقق منها وما بقي عالقاً.
وهذه النقطة تتحول إلى عنصر قوة حقيقي في الحملة ، بعيداً عن لغة المبالغة، وبمنطق واضح يقول للمواطن: هذا ما تم الاشتغال عليه، وهذا ما تحقق، وهذا ما لم يتحقق، وهذه هي الالتزامات الجديدة.
المعركة الانتخابية التي يقودها اليماني ليست فقط معركة أصوات، وإنما هي أيضاً معركة برامج وأفكار وقدرة على الدفاع عن القضايا المحلية داخل المؤسسات. ومكناس، بما تواجهه من تحديات في مجالات الاستثمار والتشغيل والصحة والنقل والبنيات التحتية والتنمية القروية، تحتاج إلى منتخبيها داخل البرلمان كي يجعلوا هذه الملفات حاضرة في النقاش العمومي وفي السياسات الحكومية.
ومن هنا تأتي أهمية ترشيح اليماني بالنسبة إلى حزب الاستقلال، باعتباره محاولة للاستفادة من تجربة برلمانية وجماعية سابقة، مع تقديم خطاب انتخابي واضح يستند إلى القرب من المواطنين وإلى الملفات الترابية التي يعرفها المرشح عن قرب.
الرهان، في النهاية، ليس فقط أن يصل حسن اليماني إلى المقعد البرلماني، وإنما ماذا سيفعل بهذا المقعد إذا حاز ثقة الناخبين.
فالمقعد البرلماني ليس امتيازاً شخصياً، وإنما تفويض من المواطنين. والبرنامج الانتخابي هو الذي يعطي لهذا التفويض معناه، فيما تشكل المحاسبة الشعبية والمؤسساتية الضمانة لاستمرار العلاقة بين المنتخب والناخب.
السيد حسن اليماني أمام فرصة جديدة في مكناس؛ والناخب أمام فرصة لاختيار من يقتنع بأنه قادر على تمثيله. وبين الاثنين يجب أن يكون هناك عهد واضح: برنامج يُعرض قبل الانتخابات، وعمل يُقاس بعدها، ومحاسبة لا تتوقف عند انتهاء يوم الاقتراع.
فالانتخابات تنتهي بإعلان النتائج، أما المسؤولية فتبدأ في اليوم الموالي. وفي السياسة، تبقى القاعدة الأوضح: الثقة تُمنح في الصندوق، لكن الاستحقاق الحقيقي يُثبت بالأداء.











