يبدو أن الشعر العربي بدأ يتخلى عن أسلوبه القديم ، وبدأ يكتسب ثوب الحداثة في بناء القصيدة فأخذت تنتشر بعد الشعر الحر أو شعر التفعيلة قصيدة النثر التي تعتني بالرمزية في إيصال الصورة للمتلقي مما حدد نوعية الفئة المستهدفة من هذا الشعر مما افقد الشعر العربي الكثير من جمهوره .
فقصائد المتنبي والجواهري وأبو تمام والبصير وشوقي وغيرهم كثير بنيت بناء عربيا خالصا بناءثقافيا ولغويا ، فالصورة البلاغية تجعل المتلقي الاعتيادي يتفاعل معها بشكل اكبر وأعمق مما يتفاعله المتلقي بالقصيدة النثرية، وتجعل من المتلقي غير النخبوي محتارا كتلميذ يطرح عليه المعلم سؤلا لا يعرف اجابته ، فيبقى حائرا خجلا امام معلمه وأمام أقرانه ، مثلما يبقى المتلقي مضطربا أمام النص الموغل بالرمزية والإبهام.
لكن هذا لا يمنع من وجود شعر غاية في الطرح والأسلوب والبيان وسهولة إيصال المعنى للمتلقي ، وإذا ما علمنا أن اللغة العربية لغة ثرية مطواعة تمنح نفسها للمفكر والكاتب بكل سلاسة وطراوة ..
والحقيقة هناك تصريحات للمفكرين العرب ، يؤكدون أن قيمة كل قوم بقيمة لغتهم إلا العرب فقيمة لغتهم أعلى منهم ، حيث إنها اللغة الابتدائية أو اللغة رقم واحد ، فاللاتينية أخذت عنهم وبقية اللغات كذلك وكذلك هي محفوظة بحفظ القرآن الكريم ..
إن لهذه اللغة أثرا كبيرا في أن تحفظ التراث الأدبي والشعري العربي ،والاعتقاد السائد أن أدباءنا مازالوا قادرين على أن ينتجوا أدباً خالداً ، فمازال بيننا شعراء كتبوا ويكتبون وأثروا المكتبة العربية والمغربية منهم من قضى نحبه ومنهم من لازال يقاوم عصر السرعة ويساير الركب ،وهذه بعض الأسماء من الشعراء المغاربة التي نستحضرها وغيرهم كثير ،أمثال أحمد المجاطي محمد الخمار الكانوني محمد السرغيني عبد الكريم الطبال ومحمد علي الرباوي وإدريس الجائي ومحمد الحلوي وعلي السقلي وأحمد سكيرج وحسن الأمراني، والساحة الأدبية حافلة بأشعار الشعراء المغاربة ،وبروائع ستبقى لأجيال ماثلة وحاضرة للذين سيأتون وسينهلون من هذا العطاء الوافر الذي لا تجده على مر العصور في أي دولة غير عربية ،فهل مازال الشعر العربي قادرا على تحقيق الخلود والاستمرارية بنفس الوثيرة التي نهجها الشعراء الأقدمون؟.
فماذا قال الشعراء المغاربة عن الشعر؟
– محمد بنيس: ضوء العتمات
محمد بنيس اختصر علاقته بالشعر والقيمة المضافة التي يراها لهذه الممارسة الإبداعية، في ثلاث كلمات، وقال بنيس، ملخصاً للرسالة التي يوجهها للشعر: «الشعر ضوء العتمات».
ثلاث كلمات تلخص للمشروع الشعري الذي بلوره شاعر «ما قبل الكلام» و«هبة الفراغ» و«المكان الوثني»، وغيرها من الدواوين، وذلك على مدى يقارب نصف قرن، وكذا للقناعات التي ضمنها عدداً كبيراً ومهماً من الدراسات والنصوص التي صدرت له، تماماً كما هو الحال في كتابه «الحق في الشعر»، حيث كتب عن شعر عليه أن «يقاوم الهجران في زمن عولمة يترك الشعر وحيداً في خرائب المنفى»، مشدداً على أننا «نشاهد الآن الإنسانية بأجمعها تسير نحو نمط حياة يصبح فيه لجبروت المال وبطش القرار السياسي وعنف السرعة وقساوة الآلة ما يبعد الإنسان عن الإنسان».
– طه عدنان: صنو الأمل
واختصر طه عدنان اختصار علاقته بالشعر بكلمات، يقول فيها: «سدّدتُ إليه أكثر من قصيدة لأخطئه على الدوام». سيستدرك شاعر «لي فيها عناكب أخرى» و«بهواء كالزجاج» و«أكره الحب» و«بسمتك أحلى من العلم الوطني»، بكتابة نص معبر تحت عنوان «برقية»، يقول فيه: «أيّها الشعر… يا صديقي – أين اختفاؤكَ – والشعراءُ يملأون الرّحب؟ – أيّها الشعر – بعد حَوْلٍ من الحَجْر – نبتغيكَ لقاحاً لمُعْجَمٍ مَوْبوء – جرْعَة لإنعاش المُخيّلة – وصْفَة لتنشيط الدورة اللغوية – وتمريناً على النشيد – في عيدك المجيد – في الحادي والعشرين من آذار – عِمْ ربيعاً ناعم الاخضرار – يا شِعْرُ… يا صِنْوَ الأمل»
– أحمد لمسيح: صديقي وحليفي
واستحضر أحمد لمسيح علاقته بالشعر، صديقاً وحليفاً، بقوله: «عزيزي الشعر، اعتنقتك عقيدة ووجدت فيك مذاهب وصراعات، ولكني تمسكت بك ولم أسقط في حبال وشباك أي متعصب… أحببتك في تراث كوني وفِي من علمني، وأعتقد أنك بلسمي حين أفقد بوصلتي… سحبتني للفراغ والمحو والتيه ولكن دسيت في مسامي ورقة بالنور مكتوبة تدلني أن العشق داء ودواء… كنتُ أمضي لذاتي وأنا أكتبك ليراني غيري وعلمتني أن أحمل غيري ليأخذوا مسافة الحياد مع ما سأقوم به من بهلوانيات تصيح دون أن تفتح شفاهها وتدثر المباشر بحدس المتلقي العازف على وتر الاختلاف والمغاير… صديقي وحليفي ويا سيدي الشعر… منحتني هوية، فهل أستطيع الوجود أو السفر من دونك ؟… أنحني لك مولاي الشعر».









