الخياطــي هاشــم
تنطلق الرؤية الحديثة لتنظيم قطاع الصحافة والإعلام من قناعة راسخة مفادها أنه لا يمكن الحديث عن ديمقراطية حقيقية دون وجود صحافة حرة ومستقلة، قادرة على أداء رسالتها الرقابية والتنويرية بعيدا عن كل أشكال التأثير أو الوصاية. فحرية الصحافة ليست امتيازا ممنوحا، بل حق أساسي من حقوق المجتمع، وشرط جوهري لبناء دولة المؤسسات والقانون.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية ترسيخ استقلالية المؤسسات المهنية والإعلامية، باعتبارها الضامن الفعلي لحرية التعبير والتعددية الفكرية والسياسية. فالاستقلالية المؤسساتية لا تعني فقط التحرر من الضغوط السياسية أو الاقتصادية، بل تشمل أيضا ضمان تمثيلية ديمقراطية حقيقية داخل الهيئات المنظمة للقطاع، بما يكفل مشاركة مختلف الفاعلين المهنيين في اتخاذ القرار وصياغة التوجهات الكبرى للمهنة.
كما أن العدالة المهنية تظل إحدى الدعائم الأساسية لإصلاح القطاع، من خلال إرساء قواعد تكافؤ الفرص واحترام الحقوق المهنية والاجتماعية للصحافيين والعاملين في المجال الإعلامي، مع الحرص على تعزيز أخلاقيات المهنة وتطوير شروط الممارسة بما ينسجم مع التحولات المتسارعة التي يعرفها المشهد الإعلامي وطنيا ودوليا.

ويؤكد عدد من المهنيين والفاعلين في المجال الإعلامي أن أي مشروع قانوني يهم تنظيم الصحافة يجب أن ينطلق من إدراك عميق للدور المحوري الذي تضطلع به هذه المؤسسة داخل المجتمع. فالصحافة ليست مجرد وسيلة لنقل الأخبار، بل فضاء لإنتاج النقاش العمومي، وتعزيز ثقافة المساءلة، وترسيخ قيم الشفافية والتعددية، فضلا عن مساهمتها في تشكيل الوعي الجماعي والدفاع عن القضايا المجتمعية الكبرى.
ومن هذا المنطلق، فإن أي مقاربة تشريعية لا تستحضر هذه المرجعية الديمقراطية والحقوقية، تبقى قاصرة عن مواكبة انتظارات الجسم الصحافي وتطلعات المجتمع. لذلك، يظل الرهان الحقيقي هو بناء إطار قانوني متوازن يضمن حرية الصحافة واستقلاليتها، ويحمي حقوق المهنيين، ويعزز ثقة المواطنين في الإعلام باعتباره سلطة مجتمعية مسؤولة وشريكا أساسيا في التنمية الديمقراطية.
وفي ظل التحولات الرقمية المتسارعة، والتحديات التي فرضتها منصات التواصل الاجتماعي وتغير أنماط استهلاك المعلومة، أصبحت الحاجة أكثر إلحاحا إلى إعادة بناء الثقة بين الإعلام والمجتمع، عبر توفير بيئة مهنية وقانونية تحفز على إنتاج محتوى مسؤول وذي مصداقية. فالتطور التكنولوجي، رغم ما أتاحه من فرص واسعة للتعبير والانفتاح، أفرز في المقابل تحديات معقدة مرتبطة بانتشار الأخبار الزائفة وخطابات التضليل والتشهير، وهو ما يجعل من الصحافة المهنية ركيزة أساسية لحماية الحق في الوصول إلى المعلومة الدقيقة والموثوقة.
وفي هذا الإطار، يشدد متتبعون للشأن الإعلامي على أن إصلاح القطاع لا ينبغي أن يقتصر على الجوانب التنظيمية أو الإدارية فقط، بل يجب أن يشمل رؤية شاملة تراعي أوضاع الصحافيين الاجتماعية والمهنية، وتضمن شروط العمل اللائق، وتحفز على التكوين المستمر والتأهيل المهني، بما يسمح بمواكبة التحولات العميقة التي يعرفها المجال الإعلامي على الصعيدين الوطني والدولي.
كما أن تعزيز استقلالية المؤسسات المهنية المنتخبة، وتحصينها من كل أشكال التوظيف أو الهيمنة، يظل مدخلا أساسيا لترسيخ الممارسة الديمقراطية داخل القطاع نفسه. فالمؤسسات التي يفترض أن تدافع عن حرية الصحافة لا يمكن أن تؤدي أدوارها بفعالية إلا إذا كانت قائمة على قواعد الشفافية والتمثيلية الحقيقية وربط المسؤولية بالمحاسبة.
ويرى مهنيون أن الرهان اليوم لم يعد فقط الدفاع عن حرية الصحافة كشعار، بل الانتقال إلى ضمان شروط ممارستها فعليا، عبر قوانين منصفة ومؤسسات قوية وإرادة حقيقية لحماية التعددية وحق الاختلاف. فالإعلام الحر يشكل أحد أهم المؤشرات على حيوية المجتمعات وقدرتها على إنتاج النقاش العمومي الحر، كما يمثل أداة أساسية لمراقبة السياسات العمومية وكشف الاختلالات والدفاع عن قضايا المواطنين.
وفي خضم هذه النقاشات، تتعالى الدعوات إلى اعتماد مقاربة تشاركية واسعة في صياغة أي إصلاح يهم قطاع الصحافة، من خلال إشراك مختلف التنظيمات المهنية والهيئات الحقوقية والفاعلين الإعلاميين، بما يضمن بلورة نصوص قانونية تستجيب للتحولات الراهنة وتحافظ في الآن ذاته على المكتسبات المرتبطة بحرية التعبير واستقلالية العمل الصحافي.
ويبقى الهدف الأسمى من كل إصلاح حقيقي هو بناء مشهد إعلامي مهني ومستقل ومتعدد، قادر على مواكبة التحولات المجتمعية، وخدمة الصالح العام، وتعزيز المسار الديمقراطي، باعتبار أن الصحافة الحرة ليست فقط مهنة، بل مسؤولية مجتمعية ورسالة ترتبط بحماية الوعي الجماعي وصيانة الحق في الحقيقة.










