هاشــم الخياطــي
كلما اقترب موعد الدخول المدرسي، عاد الجدل نفسه إلى الواجهة، وكأن قطاع الكتاب المدرسي محكوم بأن يعيش على إيقاع الأزمات بدل أن يكون نموذجا للتنظيم والشفافية. وبينما تنشغل الأسر المغربية بتدبير تكاليف موسم دراسي يزداد كلفة عاما بعد آخر، تتصاعد الخلافات بين الناشرين والكتبيين، في مشهد يكشف أن الخلل لم يعد استثناء، بل أصبح جزءا من واقع هذا القطاع.
البلاغ الأخير لرابطة الكتبيين بالمغرب لم يكن مجرد احتجاج على تقليص هامش الربح، بل جاء ليعكس أزمة ثقة حقيقية بين الفاعلين في سوق الكتاب المدرسي. فعندما يصل الأمر إلى الدعوة لمقاطعة ناشرين، فإن ذلك يعني أن الحوار المهني لم يعد كافيا لاحتواء الخلافات، وأن قواعد اللعبة التي كانت تؤطر هذا القطاع أصبحت محل نزاع.
الأخطر من ذلك هو ما أثير بشأن استمرار بعض مؤسسات التعليم الخاص في تسويق الكتب المدرسية داخل فضاءاتها، رغم وجود مقتضيات قانونية تنظم هذه المسألة. وإذا كانت هذه الممارسات تتكرر كل سنة، فإن السؤال لم يعد موجها إلى المخالفين فقط، بل إلى الجهات المكلفة بالمراقبة: أين هي آليات الزجر؟ وأين أثر القوانين إذا كانت لا تجد طريقها إلى التطبيق؟
إن وجود نصوص قانونية دون تفعيلها يفقدها قيمتها العملية، ويبعث برسالة خاطئة مفادها أن احترام القانون يبقى اختيارا لا التزاما. وفي مثل هذا المناخ، تصبح المنافسة غير المتكافئة أمرا واقعا، ويجد الكتبي نفسه في مواجهة شبكة من الممارسات التي يعتبرها مجحفة، بينما تبقى الأسرة المغربية الحلقة التي تؤدي الثمن في نهاية المطاف.
ولا يمكن اختزال الأزمة في خلاف حول نسب الأرباح، لأن جوهر القضية يتعلق بحوكمة قطاع يرتبط مباشرة بالحق في التعليم. فالكتاب المدرسي ليس سلعة استهلاكية عادية، بل وسيلة تعليمية يفترض أن تخضع لضوابط تضمن الشفافية وتكافؤ الفرص وتحمي المستهلك من أي ممارسات قد ترفع الكلفة أو تحد من حرية الاختيار.
إن استمرار الاختلالات ذاتها مع كل دخول مدرسي يكشف أن التدخلات الظرفية لم تعد كافية. فما يحتاجه القطاع هو رؤية تنظيمية واضحة، ومراقبة ميدانية فعالة، وتطبيق متساو للقانون على جميع المتدخلين، بعيدا عن أي استثناءات أو مجاملات. فالسوق التي تغيب عنها الرقابة تتحول تدريجيا إلى بيئة خصبة للفوضى والمضاربة، مهما كانت النصوص القانونية صارمة على الورق.
واليوم، لم يعد مقبولا أن يتحول الدخول المدرسي إلى موسم للتوتر التجاري، في الوقت الذي يفترض أن يكون مناسبة لضمان حق التلاميذ في الولوج إلى كتبهم في ظروف طبيعية. كما أن حماية الكتبيين لا ينبغي أن تكون على حساب الناشرين، وحماية الناشرين لا ينبغي أن تكون على حساب الأسر، بل إن مسؤولية الدولة تكمن في فرض قواعد عادلة تضمن التوازن بين جميع الأطراف.
إن وزارة التربية الوطنية ووزارة الداخلية مدعوتان إلى الانتقال من منطق تدبير الأزمات بعد وقوعها إلى منطق الوقاية والتنظيم قبل انفجارها. فاستقرار سوق الكتاب المدرسي ليس مطلبا مهنيا فحسب، بل هو رهان تربوي واجتماعي يمس ملايين الأسر المغربية. وكل تأخر في معالجة الاختلالات سيعني ببساطة تكرار السيناريو نفسه مع كل دخول مدرسي جديد، حيث يدفع المواطن ثمن فوضى كان بالإمكان تفاديها لو طُبّق القانون بالحزم المطلوب









