مستجدات

الكسكس المغربي.. طبق يختزل ذاكرة شعب وروح الضيافة الأصيلة

[ALLNEWS]1 أغسطس 2025
الكسكس المغربي.. طبق يختزل ذاكرة شعب وروح الضيافة الأصيلة

لا يُعدّ الكسكس في المغرب مجرد وجبة غذائية عابرة، بل أيقونة تراثية ضاربة في عمق التاريخ، تجسّد الهوية المغربية وروح الضيافة التي تميز المجتمع منذ قرون طويلة. فهذا الطبق التقليدي الذي تتوسطه القصعة في كل بيت مغربي، يروي حكايات الأجداد ويستحضر دفء اللقاءات العائلية التي تتوارثها الأجيال.

ترجع أصول الكسكس إلى الثقافة الأمازيغية التي ابتكرت هذا الطبق منذ مئات السنين، قبل أن يعبر حدود المغرب إلى باقي بلدان المغرب العربي والعالم، محتفظًا بعبقه الأول. ومع مرور الزمن، أصبح إعداد الكسكس طقسًا أسبوعيًا لا يكتمل يوم الجمعة دونه، حيث تتجمع العائلات بعد صلاة الجمعة حول المائدة، في مشهد يوثق قيم التضامن والبركة واللمّة المغربية.

ويُحضَّر الكسكس بحرفية عالية تبدأ من إعداد حبيبات السميد وتفويتها يدويًا داخل القصعة، مرورًا بتبخيرها تدريجيًا في “الكسكاس والبرمة”، وصولًا إلى تزيينها بمختلف المكونات حسب المناطق: خضار موسمية، لحم أو دجاج، حليب أو زبيب، أو حتى السمك في المدن الساحلية. هذا التنوع يعكس ثراء المطبخ المغربي وقدرته على الجمع بين مختلف الثقافات المحلية في طبق واحد.

ورغم اختلاف الوصفات بين شمال المغرب وجنوبه وشرقه وغربه، يبقى الكسكس عنوانًا جامعًا لهوية البلاد، ورمزًا للاحتفاء بالعائلة والكرم المغربي. وقد تجاوزت شهرة الكسكس حدود المغرب لتصل إلى أرقى المطاعم العالمية، فيما كرسته منظمة اليونسكو سنة 2020 تراثًا ثقافيًا غير ماديًا للبشرية، في اعتراف دولي بقيمته التاريخية والاجتماعية.

الكسكس المغربي ليس مجرد طعام يُشبع البطون، بل لغة ثقافية تُخاطب الأرواح قبل الأذواق، وتحمل في طياتها ذاكرة جماعية تشهد على أصالة المغرب وعمق تراثه المتجدد عبر الأجيال.

ولعل ما يجعل الكسكس المغربي متفردًا ليس مكوناته فحسب، بل الروح التي ترافق تحضيره وتناوله. ففي كل بيت مغربي، يتحول إعداد الكسكس إلى ورشة عمل عائلية تشارك فيها الأيادي، تتداخل فيها الأحاديث والضحكات، لتكتمل طقوس هذا الطبق الذي لا ينفصل عن قيم الترابط الأسري والاحترام المتبادل بين الأجيال.

كما يظل الكسكس شاهدًا على قدرة المطبخ المغربي على الحفاظ على هويته رغم تغير أنماط الحياة الحديثة. فحتى مع انتشار الوجبات السريعة والمأكولات المستوردة، يبقى الكسكس حاضرًا بقوة في كل مناسبة، من الأفراح إلى الولائم الكبرى، ليؤكد أن الموروث الشعبي قادر على مقاومة الزمن وحفظ الذاكرة الجمعية كل يوم جمعة.

ويجمع الكسكس بين بساطة مكوناته وعمق رمزيته؛ إذ يحمل دلالات الخير والبركة والوفرة، ويُقدَّم غالبًا في قصعة كبيرة يتشاركها الجميع، في مشهد يذوب فيه الفارق بين الكبير والصغير، والغني والفقير، لتسود قيم المساواة والكرم التي تُشكل جزءًا أصيلًا من الثقافة المغربية.

ويظل الكسكس أكثر من مجرد طبق غذائي، فهو أيقونة ثقافية تعبر عن هوية أمة وحكاياتها الضاربة في عمق الزمن، وذاكرة حية تتناقلها الألسن والأيادي، لتؤكد أن المائدة المغربية ليست مكانًا للأكل فقط، بل مساحة للقاء، والمحبة وصون التراث المغربي الأصيل لا يمكن لأي دولة شرقية أو غربية  التطاول عليه وتحاول طمس الحقيقة بمقالات صحفية مؤدى عنها .

 

 

الاخبار العاجلة
error: تحذير: المحتوى محمي