يشكل تحديد الجهة القضائية المختصة للبت في الدفع ببطلان إجراءات التبليغ تضاربا في العديد من المواقف القضائية بين محاكم الدرجة الأولى ومحاكم الدرجة الثانية .
ويرجع السبب في هذا التضارب إلى الطاعن الذي يتقدم بدعواه إلى محكمة الدرجة الأولى، وتارة إلى محكمة الدرجة الثانية ، فكثيرا ما يلجأ الطاعن بالاستئناف إلى تقديم دعوى مستقلة أمام المحكمة الابتدائية راميا إلى بطلان الحكم الابتدائي ، وملتمسا في ذات الوقت من محكمة الاستئناف بعد إدلائه بنسخة من مقال دعوى بطلان التبليغ إلى إيقاف البت في الدعوى إلى حين بت المحكمة الابتدائية في دعوى البطلان .
وقد جرى العمل بالالتجاء إلى المحاكم الابتدائية بدل محكمة الطعن بهدف استصدار حكم بإبطال التبليغ، قصد الاستدلال به أمام محكمة الطعن للقول بصحة هذا الأخير بسبب تقديمه خلال الأجل القانوني ، وكان القصد من سلوك هذه المسطرة غالبا هو التسويف المماطلة والحيلولة دون صدور حكم نهائي قابل للتنفيذ ، والغريب في الأمر أن محاكم الطعن خاصة محاكم الاستئناف كثيرا ما تتنازل عن اختصاصها وسلطتها في هذا الصدد للمحاكم الاخرى وتنتظر الى حين بت هذه الأخيرة في دفع هي المختصة أصلا في الفصل فيه استنادا إلى قاعدة قاضي الدفع هو قاضي الموضوع .
إذا كان بطلان التبليغ مبنيا على عيب في إجراءاته دون ادعاء تزوير بشأنه كما إذا تم التبليغ لشخص آخر بغير موطن المعني بالأمر حسب الفصل 38 و 39 من قانون المسطرة المدنية ، أو تم التبليغ للشخص الاعتباري في غير مقره الاجتماعي ، أو تم لصبي غير مميز ، ففي كل هذه الحالات وغيرها كثير ، لا خلاف في أنه لا يجوز رفع دعوى ابتدائية بشأنها فهي مجرد دفع يجب أن يعرض على محكمة الموضوع ، حيث أن محكمة الطعن عادة هي المختصة وحدها في البت فيه ولا يجوز بالتالي لأي حكم صادر بإبطال التبليغ أو رفض طلب بشأنه امام محكمة الطعن ، ويندرج تحت هذا الصنف ما لا يكتسي الصبغة الرسمية من محرر التبليغ ، وهو كل البيانات التي تتعلق بوقائع لم تتم تحت معاينة ومشاهدة العون القائم بالتبليغ وإنما هي مجرد أمور تلقاها عن الغير واعتقد أو ظن أنها صحيحة ، كادعاء مستلم التبليغ أنه المعني به ، أو أن له الصفة في استلامه ، أو تصريح الجيران بأن المراد إعلامه انتقل إلى عنوان مجهول ، ففي هذه الحالات وشبيهاتها لا يحتاج اثبات بطلان التبليغ إلى ادعاء الزور وإنما يكفي إثبات العكس في شكل دفع يثار أمام محكمة الموضوع دون الحاجة إلى إثباته بدعوى ابتدائية ، وذلك استنادا إلى قاعدة قاضي الدفع هو قاضي الموضوع ، وأي حكم صدر في موضوع بطلان التبليغ من هذا النوع فلا حجية له أمام محكمة الطعن.









