في خطوة تعكس إرادة حقيقية لمواجهة التحديات البيئية وتحقيق التنمية المستدامة، أعلنت وزارة الداخلية عن إطلاق برنامج وطني طموح يمتد من سنة 2023 إلى غاية 2034، يروم إلى إصلاح شامل لمنظومة تدبير النفايات المنزلية وتثمينها. ويأتي هذا البرنامج استجابة للحاجة المتزايدة إلى بنية تحتية بيئية حديثة، وضمن رؤية شمولية تتقاطع فيها الأبعاد البيئية والاجتماعية والاقتصادية.
خصص لهذا المشروع الضخم غلاف مالي يناهز 21.14 مليار درهم، بتمويل مشترك يشمل مساهمة سنوية لوزارة الداخلية بحوالي 450 مليون درهم، إلى جانب دعم إضافي يقدمه صندوق التطهير وتصفية المياه العادمة في حدود 400 مليون درهم سنويًا. ويغطي البرنامج جوانب متعددة تشمل إحداث مراكز حديثة للطمر والتثمين، وإعادة تأهيل وإغلاق المطارح العشوائية تدريجياً، بما يضمن تقليص الأثر البيئي للنفايات وتحسين جودة الحياة في المناطق المتضررة.
يمثل البرنامج تحولا نوعيا في فلسفة تدبير النفايات، إذ يسعى إلى تقليص الاعتماد على الطمر، الذي ما يزال يشكل الوسيلة السائدة لمعالجة النفايات بالمغرب، وذلك عبر تعزيز عمليات الفرز وإعادة التدوير. وتُعد هذه المهمة صعبة في ظل الخصائص الحالية للنفايات المنزلية، التي تتسم بارتفاع نسبة الرطوبة والمكونات العضوية، مما يجعل نسبة الفرز لا تتجاوز 7% على الصعيد الوطني. رغم ذلك، تطمح الوزارة إلى رفع هذه النسبة إلى 25% بحلول سنة 2034.
يرتكز البرنامج أيضاً على تعميم خدمات الجمع والكنس الحضري لتشمل كافة التراب الوطني، بنسبة تغطية تصل إلى 100% خلال أفق 2034. كما يهدف إلى القضاء النهائي على المطارح العشوائية، التي ظلت لسنوات من أبرز مظاهر الاختلال في تدبير النفايات، وتشكّل بؤرا للتلوث وتدهور البيئة الحضرية والقروية.
إلى جانب الجوانب التقنية والبنيوية، يراهن البرنامج على دعم قدرات الجماعات الترابية، من خلال توفير الدراسات اللازمة وتكييف الحلول المقترحة حسب الخصوصيات المحلية، بما يسمح بتدبير أكثر نجاعة وفعالية. كما يشجع إدماج المقاولات الصغرى والمتوسطة في هذا القطاع، ويفتح أمامها آفاقًا استثمارية جديدة، من شأنها المساهمة في خلق مناصب شغل وتحريك عجلة الاقتصاد المحلي.
يمثل البرنامج الوطني الجديد خطوة جريئة نحو بناء نموذج بيئي مغربي مستدام، يضع المواطن والبيئة في صلب الأولويات. وبينما تبقى التحديات قائمة، فإن التوجه الجديد لوزارة الداخلية يعكس وعيا متزايدا بضرورة الانتقال من منطق التدبير التقليدي إلى مقاربة قائمة على التثمين والاقتصاد الدائري، وهو ما قد يجعل من المغرب، في أفق السنوات القادمة، تجربة رائدة في المنطقة في مجال تدبير النفايات.
هذا التحول، إذا ما رافقته حكامة جيدة وتعبئة شاملة لجميع الفاعلين، قد يشكل رافعة أساسية لتحسين البيئة، وتكريس الحق في العيش في محيط صحي ونظيف.










