عُلم من مصادر مطلعة أن الأمانة العامة للحكومة شددت خلال السنة الجارية إجراءات المراقبة والتتبع الخاصة بتلقي الجمعيات المغربية للدعم المالي والعيني من جهات أجنبية، في خطوة تروم تعزيز الشفافية وضمان توجيه هذه الموارد نحو أهدافها المعلنة، وهو ما انعكس في انخفاض ملحوظ لمبالغ الدعم الخارجي مقارنة بالسنوات السابقة.
وكشف الأمين العام للحكومة، أحمد الحجوي، في عرضه أمام لجنة العدل والتشريع بمجلس النواب، بمناسبة تقديم الميزانية الفرعية للأمانة العامة للحكومة، أن مديرية الجمعيات والمهن المنظمة والهيئات المهنية توصلت خلال هذه السنة بـ 846 تصريحاً من طرف 241 جمعية، أعلنت عن تلقيها مساعدات مالية أو عينية من مصادر أجنبية بلغ مجموعها 58 مليار سنتيم، مقابل أكثر من 76 مليار سنتيم خلال السنة الماضية.
وأوضح الحجوي أن هذا التراجع يعود، بالأساس، إلى تشديد إجراءات التتبع والمراقبة التي باشرتها السلطات المختصة لضمان شفافية التعاملات المالية بين الجمعيات والجهات الأجنبية، مع الحرص على توافق هذه التمويلات مع الأهداف التنموية والخيرية المنصوص عليها في القوانين المنظمة.
وفي سياق متصل، أشار المسؤول الحكومي إلى أن المديرية توصلت، خلال السنة الحالية، بـ 17 طلباً للترخيص بدعوة العموم إلى التبرع وجمع التبرعات، طبقاً لمقتضيات القانون رقم 18.18 المتعلق بتنظيم عمليات جمع التبرعات من العموم وتوزيع المساعدات لأغراض خيرية، ومرسومه التطبيقي، غير أن هذه الطلبات لم تستوفِ الشروط والمسطرة القانونية المطلوبة، مما حال دون الترخيص لها.
ويأتي هذا التشديد في إطار مقاربة رقابية جديدة تتوخى تعزيز ثقة المواطنين والمؤسسات المانحة، وتحصين الحقل الجمعوي من أي ممارسات مشبوهة أو تمويلات غير شفافة، بما يرسخ مبادئ الحكامة والمسؤولية في تدبير العمل الجمعوي بالمغرب
ويرى متتبعون أن هذه الإجراءات الجديدة تمثل تحولاً نوعياً في علاقة الدولة بالحقل الجمعوي، إذ تهدف إلى إرساء منظومة رقابية أكثر صرامة، تضمن الشفافية المالية وتحول دون استغلال الإطار الجمعوي لأغراض سياسية أو غير مشروعة. كما تأتي في سياق وطني ودولي متزايد الحساسية تجاه مصادر التمويل الخارجي، خصوصاً تلك التي قد ترتبط بجهات غير حكومية أو مؤسسات ذات أجندات خفية.
وفي المقابل، تعتبر بعض الجمعيات أن المساطر الإدارية المعقدة المتعلقة بالتصريح بالدعم الأجنبي قد تُعيق عمل المنظمات الجادة التي تعتمد، في جزء كبير من أنشطتها، على شراكات دولية مشروعة، مطالبة بتبسيط الإجراءات دون المساس بالرقابة أو مبادئ الشفافية.
من جهة أخرى، تؤكد الأمانة العامة للحكومة أن هذه المقتضيات لا تهدف إلى التضييق على المجتمع المدني، بل إلى تنظيمه وفق معايير الحكامة الجيدة وضمان التوازن بين حرية العمل الجمعوي ومتطلبات الأمن المالي للدولة، مبرزة أن المغرب منفتح على التعاون الدولي، لكنه في الوقت نفسه حريص على معرفة مصادر التمويلات وطرق صرفها وأهدافها الفعلية.
ويُنتظر أن تسهم هذه المقاربة في إعادة هيكلة المشهد الجمعوي الوطني، عبر تشجيع الجمعيات ذات المشاريع الواضحة والأثر الملموس، وتطهير المجال من الكيانات الصورية التي تتخذ من صفة “الجمعية” غطاءً لمصالح ضيقة. بذلك، يبدو أن المغرب يتجه نحو مرحلة جديدة من المسؤولية والمساءلة داخل القطاع الجمعوي، حيث يصبح الدعم الخارجي أداة للتنمية لا وسيلة للتأثير أو الالتفاف على القوانين.
وينص قانون تأسيس الجمعيات بالمغرب، على أن المساعدات الممنوحة من جهات أجنبية، تعتبر أحد مصادر تمويل أنشطة وبرامج الجمعيات.
ويتعين التصريح بالمبالغ التي تتلقاها الجمعيات لدى مصالح الأمانة العامة للحكومة، مع تحديد مصادرها، خلال فترة 30 يوما من تاريخ تلقي المساعدة.










