هاشــم الخياطــي
في الوقت الذي تُقدَّم فيه تظاهرة “جيتكس إفريقيا” بمراكش كنجاح متصاعد يعكس الدينامية الرقمية للمغرب، تطرح معطيات الواقع أسئلة عميقة حول طبيعة هذا “النجاح” وحدوده الفعلية، ومدى انعكاسه الحقيقي على النسيج الاقتصادي الوطني والقاري.
ورغم تأكيد المدير العام لوكالة التنمية الرقمية، أمين المزواغي، على ارتفاع عدد المشاركين والعارضين بأكثر من 60 في المئة خلال ثلاث دورات، فإن هذا النمو الكمي لا يعني بالضرورة تحولا نوعيا في منظومة الابتكار. فمضاعفة أعداد الشركات الناشئة والمستثمرين لا توازيها، في كثير من الأحيان، مؤشرات واضحة حول استدامة هذه المشاريع أو قدرتها على خلق قيمة مضافة حقيقية داخل السوق الإفريقية.
ويبدو أن الخطاب الرسمي المصاحب للحدث يبالغ في تقديم المغرب كـ”قطب إقليمي للابتكار”، في وقت لا تزال فيه العديد من التحديات البنيوية قائمة، سواء على مستوى التمويل، أو مواكبة الكفاءات، أو حتى تسويق الابتكار محلياً قبل تصديره كشعار في المحافل الدولية.
وبينما يُروَّج للمعرض كمنصة استراتيجية للتعاون الدولي، يلاحظ متتبعون أن طابعه يغلب عليه البعد الاستعراضي، حيث تتحول الأروقة إلى فضاءات عرض أكثر منها فضاءات إنتاج فعلي للشراكات. فحضور الدبلوماسيين والمستثمرين لا يترجم دائماً إلى اتفاقيات ملموسة أو مشاريع طويلة الأمد تخدم الاقتصاد الرقمي الإفريقي.

كما أن الأرقام المعلنة، من قبيل مشاركة 50 ألف زائر و1450 عارضاً من 130 دولة، تظل مؤشرات ظرفية مرتبطة بزخم الحدث، دون أن تقدم صورة دقيقة عن الأثر الحقيقي لهذه التظاهرة على التنمية الرقمية المستدامة، خاصة في ظل الفجوة الرقمية التي لا تزال تعاني منها عدة دول إفريقية.
وفي كلمته، شدد رئيس الحكومة عزيز أخنوش على جاهزية المغرب لاستقبال الاستثمارات في القطاع الرقمي، مستنداً إلى ما وصفه بالاستقرار المؤسساتي. غير أن هذا الطرح يواجه بدوره انتقادات، إذ يرى البعض أن جاذبية الاستثمار لا تُقاس فقط بالاستقرار، بل أيضاً بمدى وضوح الرؤية الاستراتيجية، وتبسيط المساطر، وتحفيز المقاولات الناشئة على النمو داخل بيئة تنافسية حقيقية.
أما الشعار المرفوع لهذه الدورة، “تحفيز الاقتصاد الرقمي لإفريقيا في عصر الذكاء الاصطناعي”، فيعكس طموحاً مشروعاً، لكنه يصطدم بواقع قاري لا تزال فيه البنيات التحتية الرقمية متفاوتة بشكل كبير، ما يجعل الحديث عن الذكاء الاصطناعي أقرب إلى طموح نخبوي منه إلى مشروع تنموي شامل.
ورغم إدراج مجالات مثل الأمن السيبراني والتكنولوجيا المالية والتنقل المستقبلي ضمن محاور المعرض، فإن التحدي الحقيقي يظل في تحويل هذه المواضيع من مجرد عناوين جذابة إلى سياسات عمومية وبرامج تنفيذية قادرة على تحقيق أثر ملموس.
وفي خضم هذا المشهد، يبرز سؤال جوهري حول مآل الالتزامات التي تُعلن على هامش مثل هذه التظاهرات: كم من اتفاقية تم توقيعها في دورات سابقة تحولت فعلاً إلى مشاريع قائمة؟ وكم من شراكة بقيت حبيسة البلاغات الرسمية والصور التذكارية؟ فالتجارب السابقة توحي بأن الفجوة بين الإعلان والتنفيذ لا تزال قائمة، وهو ما يقلل من الأثر الاستراتيجي المنتظر.
كما أن الرهان على الشركات الناشئة، رغم أهميته، يواجه تحديات حقيقية على أرض الواقع. فهذه المقاولات، التي تُقدَّم كقاطرة للابتكار، تعاني في كثير من الأحيان من ضعف المواكبة بعد مراحل الانطلاق، ومن صعوبة الولوج إلى التمويل، فضلاً عن محدودية السوق المحلية التي لا تستوعب بسهولة الحلول الرقمية الجديدة، ما يدفع العديد منها إلى البحث عن فرص خارجية بدل ترسيخ حضورها داخل القارة.
من جهة أخرى، يثير التركيز المتزايد على استقطاب الاستثمارات الأجنبية تساؤلات حول مكانة الفاعل المحلي في هذه المنظومة. إذ يخشى البعض أن يتحول المغرب إلى مجرد منصة عبور أو سوق استهلاكية للتكنولوجيا المستوردة، بدل أن يكون منتجاً فعلياً للحلول الرقمية، وقادراً على تصدير خبراته نحو العمق الإفريقي.
ولا يمكن إغفال البعد الاجتماعي للتحول الرقمي، الذي يظل غائباً نسبياً في مثل هذه التظاهرات. فبينما تُعرض أحدث الابتكارات في مجالات الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المتقدمة، لا يزال جزء مهم من المواطنين يواجه صعوبات في الولوج إلى الخدمات الرقمية الأساسية، سواء بسبب ضعف البنية التحتية أو محدودية التكوين الرقمي.
أما الحديث عن الأمن السيبراني، ورغم أهميته المتزايدة، فيطرح بدوره تحديات مرتبطة بمدى جاهزية المؤسسات، خاصة الصغيرة والمتوسطة، لمواجهة التهديدات الرقمية. فغياب ثقافة رقمية شاملة يجعل هذه الفئة عرضة لمخاطر متنامية، في وقت تُركز فيه النقاشات غالباً على الجوانب التقنية دون مقاربة شمولية تأخذ بعين الاعتبار البعد التكويني والتوعوي.
وفي سياق متصل، يطرح تسارع التحولات التكنولوجية، خاصة في مجال الذكاء الاصطناعي، إشكالات أخلاقية وتشريعية لا تقل أهمية عن الفرص الاقتصادية. فالقارة الإفريقية، بما فيها المغرب، لا تزال في طور بناء أطر تنظيمية قادرة على مواكبة هذه التحولات، ما يجعل الحديث عن “السيادة التكنولوجية” سابقاً لأوانه في ظل غياب منظومة قانونية متكاملة.
وتبدو “جيتكس إفريقيا” كمرآة تعكس طموحات كبيرة وإمكانات واعدة، لكنها في الوقت ذاته تكشف عن اختلالات بنيوية تحتاج إلى معالجة عميقة. فالتحدي لم يعد في تنظيم تظاهرة ناجحة من حيث الشكل، بل في ضمان استمرارية أثرها، وتحويلها إلى رافعة حقيقية للتنمية الرقمية الشاملة..
لا يمكن إنكار أن “جيتكس إفريقيا” يمثل فرصة للترويج لصورة المغرب كفاعل رقمي صاعد، لكنه في الآن ذاته يكشف عن فجوة بين الخطاب والطموح من جهة، والواقع والتأثير الفعلي من جهة أخرى. وبين هذا وذاك، يبقى الرهان الحقيقي ليس في عدد الحاضرين، بل في جودة ما يُنجز بعد إسدال الستار على المعرض.
وبين من يرى في الحدث منصة للفرص، ومن يعتبره مجرد واجهة دعائية، يبقى الحكم النهائي رهيناً بما سيتحقق على أرض الواقع، بعيداً عن الأضواء، وبعد أن تُطفأ شاشات العرض وتُطوى أروقة المعرض









