في الوقت الذي تتجه فيه السلطات الحكومية المكلفة بقطاع الصحافة والنشر، بتنسيق مع مختلف الشركاء والمهنيين، نحو وضع حد لحالة الفوضى التي ظلت لسنوات تسيء إلى مهنة الصحافة وتخلط بين الصحافي المهني ومنتحل الصفة، يطرح استمرار بعض الممارسات داخل عدد من العمالات والولايات أكثر من علامة استفهام.
فمصادر مطلعة تحدثت عن استمرار توجيه دعوات، خلال مناسبات وطنية ودينية أو بمناسبة أنشطة رسمية وتدشين مشاريع، إلى أشخاص لا يتوفرون على البطاقة المهنية للصحافة، من أجل حضور هذه الأنشطة وتغطيتها ونشر مضامينها عبر صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، في مشهد يبدو متناقضاً مع الجهود المبذولة لتنظيم القطاع ووضع حد للتطفل على المهنة.
والأكثر إثارة للاستغراب، وفق المصادر ذاتها، هو السماح لبعض هؤلاء بالولوج إلى مقرات العمالات والتقاط صور للمواطنين والمرتفقين، ثم نشرها وتداولها عبر صفحات التواصل الاجتماعي دون أن يكون واضحاً دائماً ما إذا كان أصحاب هذه الصور قد وافقوا على نشرها، وهو ما يفتح الباب أمام أسئلة جدية حول احترام الخصوصية وحدود المسؤولية داخل الإدارات العمومية.
ولا تتوقف علامات الاستفهام عند هذا الحد، إذ تتحدث المصادر عن تساهل مماثل خلال بعض حملات مراقبة جودة المنتجات، حيث يتم تداول صور أصحاب المحلات التجارية على صفحات التواصل الاجتماعي، بما قد يحول عملية المراقبة الإدارية إلى مادة للتشهير الإلكتروني إذا لم تحترم الضوابط القانونية والأخلاقية المرتبطة بالنشر.
وتساءلت مصادر مهنية عن المعايير التي يتم على أساسها السماح لبعض الأشخاص، ممن لا يحملون الصفة المهنية، بحضور أنشطة رسمية داخل مقرات العمالات والولايات، في وقت يفترض أن تكون الإدارة الترابية نموذجاً في احترام القواعد المنظمة للولوج إلى المؤسسات العمومية والتعامل مع وسائل الإعلام.
كما طرحت المصادر علامات استفهام حول دور أقسام الشؤون الداخلية ودواوين الولاة والعمال في هذه العملية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر باستدعاء أشخاص يُفترض أن الجهات الإدارية تعلم مسبقاً أنهم لا يتوفرون على البطاقة المهنية التي تخول لهم ممارسة الصحافة وفق القواعد الجاري بها العمل.
وإذا كانت الإدارة الترابية مطالبة بالتعاون مع وسائل الإعلام وتمكين الصحافيين المهنيين من أداء مهامهم، فإن ذلك لا يعني، بحسب مهنيين، تحويل أبواب العمالات والولايات إلى فضاءات مفتوحة لكل من اختار أن يصف نفسه بالصحافي، خصوصاً في زمن أصبحت فيه صفحة على موقع للتواصل الاجتماعي كافية لدى البعض لتقديم نفسه للرأي العام باعتباره مؤسسة إعلامية.
وتزداد خطورة هذه الممارسات عندما يتعلق الأمر بالاستفادة من برامج أو مشاريع عمومية، إذ تتداول المصادر حديثاً عن ضرورة تدخل المفتشية العامة للإدارة الترابية بوزارة الداخلية للتحقق، بشكل دقيق وشفاف، من بعض المشاريع المرتبطة بالمبادرة الوطنية للتنمية البشرية، ومدى استفادة أشخاص يقدمون أنفسهم كإعلاميين من برامج أو امتيازات عمومية، مع ضرورة التمييز بين الصحافي المهني وبين من يستعمل الصفة الإعلامية دون سند مهني أو قانوني.
المطلوب اليوم ليس فقط تنظيم قطاع الصحافة من جانب المهنيين، وإنما أيضاً توحيد تعامل الإدارات العمومية مع وسائل الإعلام. فلا يمكن أن تطالب الدولة بتنظيم المهنة ومحاربة انتحال صفة الصحافي، بينما تستمر بعض المصالح الإدارية في منح المتطفلين على المهنة شرعية مجانية من خلال استدعائهم إلى أنشطة رسمية وفتح أبواب المؤسسات أمامهم.
إن احترام الصحافة يبدأ من احترام صفتها المهنية، واحترام الإدارة يبدأ من تطبيق القواعد نفسها على الجميع. أما استمرار سياسة “الانتقائية” في توجيه الدعوات، فسيبقي الباب مفتوحاً أمام السؤال الأكبر: من يحارب فوضى الإعلام إذا كانت بعض الإدارات نفسها تمنحها منصة رسمية للظهور؟











