هاشــم الخياطــي
في زمن تتسارع فيه الأخبار وتتنافس فيه المنصات على جذب الانتباه، لم تعد الصحافة دائمًا ذلك الصوت الرصين الذي ينقل الحقيقة بموضوعية، بل باتت في بعض تجلياتها ساحة مفتوحة للضجيج، حيث تختلط الوقائع بالتأويلات، وتُستبدل المهنية بالإثارة. وحين يفقد القلم بوصلته الأخلاقية، لا يعود شاهدًا على الحقيقة، بل يتحول – عن وعي أو عن غير وعي – إلى شاهد زور عليها.
الصحافة، في جوهرها، ليست مجرد نقل للأحداث، بل هي مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون مهنة. إنها التزام بالحقيقة، ووفاء لحق الجمهور في معرفة ما يجري دون تزييف أو تضليل. غير أن هذا الدور النبيل يتعرض اليوم لاختبارات قاسية، في ظل سباق محموم نحو “السبق” ولو على حساب الدقة، ونحو “الانتشار” ولو على حساب المصداقية.
وحين تُختزل الصحافة في عناوين مثيرة ومحتوى سطحي، يصبح القلم أداة لإعادة إنتاج التفاهة بدل تفكيكها، وتتحول المنابر الإعلامية إلى فضاءات لتضخيم الهامشي وتهميش الجوهري. في هذا السياق، لا يعود المتلقي أمام إعلام يُنير له الطريق، بل أمام ضباب كثيف يصعب معه التمييز بين الحقيقة والوهم.
الأخطر من ذلك، أن فقدان البوصلة الأخلاقية لا يسيء فقط إلى المهنة، بل يقوض ثقة الجمهور في الإعلام ككل. فحين يتكرر الانحراف، يصبح الشك هو القاعدة، وتفقد الكلمة وزنها، ويغدو كل ما يُنشر محل ريبة، حتى وإن كان صادقًا. وهنا تكمن المفارقة: الإعلام الذي وُجد لكشف الحقيقة قد يصبح، في غياب الضوابط، أداة لحجبها.
أمام هذا الواقع، يبرز سؤال جوهري: ما قيمة الكلام إن فقد صدقه؟ وما جدوى المقال إن لم يكن مرآة للواقع بل قناعًا له؟ في مثل هذه اللحظات، قد يصبح الصمت – على قسوته – أصدق من ألف مقال يُكتب بلا ضمير، لأن الكلمة حين تُفرغ من معناها، تتحول إلى ضجيج لا يُسمع فيه صوت الحقيقة.
إن استعادة هيبة الصحافة لا تمر عبر كثرة الإنتاج، بل عبر جودة المحتوى ونزاهة الطرح. فالقلم الذي يحترم نفسه، هو ذاك الذي ينحاز للحقيقة ولو كانت مُكلفة، ويقاوم إغراءات الإثارة حين تُهدد المصداقية. وفي زمن الالتباس، تبقى الأخلاق هي البوصلة الوحيدة القادرة على إعادة الكلمة إلى مسارها الصحيح.
في النهاية، ليست المشكلة في وفرة المقالات، بل في ندرة الصدق. وحين يغيب هذا الأخير، لا يعود الصمت عجزًا، بل موقفًا… وربما آخر ما تبقى من شرف الكلمة.










