مستجدات

حين يُحال القلم إلى الهامش: الصحافي المتقاعد بين نكران الجميل وفشل السياسات

[TOUTES LES ACTUALITÉS]29 يناير 2026
حين يُحال القلم إلى الهامش: الصحافي المتقاعد بين نكران الجميل وفشل السياسات

هاشــم الخياطــي

لا تُقاس قيمة الأوطان فقط بما تُنجزه في الحاضر، بل كذلك بكيفية وفائها لمن صنعوا ذاكرتها الجماعية. ومن بين أكثر الفئات التي يطالها النسيان بصمتٍ موجع، الصحافيات والصحافيون المتقاعدون، الذين أفنوا أعمارهم في خدمة الحقيقة، ليجدوا أنفسهم اليوم في مواجهة واقع اجتماعي هش، ومعاشات هزيلة، وتغطية صحية لا تليق بتاريخ مهني حافل بالتضحيات.

إن الوضعية الراهنة للصحافي المتقاعد ليست مجرد حالة اجتماعية معزولة، بل مرآة تعكس اختلالات عميقة في السياسات العمومية، وتطرح أسئلة محرجة على الفاعلين السياسيين، والهيئات النقابية، والتنظيمات المهنية، كما تُحمِّل جزءًا من المسؤولية لأصحاب المقاولات والمؤسسات الإعلامية، الذين استفادوا لسنوات من عرق وجهد هؤلاء الصحافيين، قبل أن يتركوا مصيرهم معلّقًا على معاش لا يقي من الفقر ولا يحمي من المرض.

الأدهى من ذلك أن هذا الواقع القاسي يتغذّى على منطق التسويف، والحلول الترقيعية، والوعود المؤجلة، وكأن معاناة الصحافي المتقاعد أمر ثانوي لا يستحق المعالجة الجذرية. وهو ما يُعمّق الإحساس بالجحود، ويُكرّس شعورًا بالتنكر وعدم الاعتراف، بل ويدفع بالبعض إلى الإحساس بـ“الإقصاء الصامت” و”القتل البطيء”، في نهاية مسار مهني كان يفترض أن يُتوَّج بالكرامة لا بالتهميش.

خطورة هذا الوضع لا تكمن فقط في معاناة جيلٍ بعينه، بل في الرسالة السلبية التي تُبعث إلى الأجيال الصاعدة من الصحافيين: رسالة مفادها أن التضحية ونبل المهنة لا يقابلهما بالضرورة أمان اجتماعي أو اعتراف مؤسساتي. وإذا استمر هذا النهج، فإن تداعياته لن تتوقف عند حدود فئة محدودة العدد اليوم، بل ستمتد لتُهدد مستقبل المهنة برمّتها.

إن إنصاف الصحافي المتقاعد لم يعد ترفًا ولا مطلبًا فئويا، بل ضرورة أخلاقية ومجتمعية، تستدعي إرادة سياسية واضحة، وإصلاحًا حقيقيًا لمنظومة المعاشات والتغطية الصحية، وتحمّلًا صريحًا للمسؤوليات من جميع المتدخلين. فالأوطان التي لا تُكرم صحافييها بعد التقاعد، إنما تُفرّط في ذاكرتها، وتُغامر بثقة من لا يزالون يحملون القلم اليوم.

كما أن الحديث عن أوضاع الصحافيين المتقاعدين لا يكتمل دون التوقف عند الغياب شبه التام لأي سياسة عمومية موجهة خصيصًا لهذه الفئة، تأخذ بعين الاعتبار خصوصية المهنة وما تفرضه من ضغوط نفسية، وهشاشة اجتماعية، ومسارات مهنية غالبًا ما تكون غير مستقرة. فالصحافي، في كثير من الأحيان، يشتغل بعقود هشة، أو دون استمرارية في التصريح، ما ينعكس سلبًا على قيمة معاشه عند الإحالة على التقاعد، وكأن سنوات العطاء تُمحى بمجرد طي صفحة العمل.

ويزداد هذا الواقع قتامة حين تتنصل بعض المؤسسات الإعلامية من مسؤوليتها الأخلاقية والتاريخية، مكتفية بمنطق الربح والخسارة، غير عابئة بمصير من ساهموا في بنائها وتثبيت حضورها في المشهد الإعلامي. وهو تنصل لا يمكن فصله عن ضعف التأطير النقابي، وتشتت الجهود المهنية، وغياب صوت موحد قادر على فرض هذا الملف ضمن أولويات النقاش العمومي.

إن معالجة هذا الوضع تستوجب مقاربة شمولية، تتجاوز منطق الإحسان أو المبادرات الظرفية، نحو إقرار آليات مستدامة تضمن الحد الأدنى من العيش الكريم للصحافي المتقاعد، عبر مراجعة أنظمة التقاعد، وتحسين التغطية الصحية، وإحداث صناديق تكافلية خاصة بالمهنة، تُموَّل بشكل عادل من الدولة والمؤسسات الإعلامية والهيئات المهنية.

وفي انتظار ذلك، يظل الصحافي المتقاعد شاهدًا حيًا على مفارقة مؤلمة: مهنة تُدافع عن حقوق الآخرين، بينما يُترك أبناؤها في الهامش. وهي مفارقة تُلزم الجميع، دون استثناء، بإعادة النظر في منظومة القيم التي تحكم علاقتنا بالعمل الإعلامي وبمن حملوا رسالته لعقود، حتى لا يتحول التقاعد إلى عقوبة، ولا يصبح الوفاء مجرد شعار بلا مضمون.

 

الاخبار العاجلة