رهانات التأطير والتجديد السياسي
في خطوة جديدة تروم تعزيز حضور الشباب داخل المشهد السياسي الوطني، صادق مجلس الحكومة، اليوم الخميس، على مشروع المرسوم رقم 2.26.311، الذي يحدد شروط وكيفيات صرف الدعم المالي العمومي لفائدة لوائح الترشيح المقدمة برسم الانتخابات العامة لانتخاب أعضاء مجلس النواب، من قبل مترشحات ومترشحين لا تتجاوز أعمارهم 35 سنة.
ويأتي هذا المشروع، الذي قدمه وزير الداخلية، في سياق دينامية إصلاحية تستهدف توسيع قاعدة المشاركة السياسية، وفتح المجال أمام الكفاءات الشابة لولوج المؤسسات التمثيلية، سواء عبر الأحزاب السياسية أو من خلال الترشيحات المستقلة، بما يعكس توجها نحو إرساء تعددية أكثر انفتاحا وشمولا.
وفي هذا الإطار، أوضح الوزير المنتدب المكلف بالعلاقات مع البرلمان، الناطق الرسمي باسم الحكومة، مصطفى بايتاس، خلال ندوة صحفية أعقبت الاجتماع الأسبوعي للمجلس، أن هذا المرسوم يندرج ضمن رؤية حكومية شاملة تروم دعم الشباب بشكل ملموس، من خلال تمكينهم من موارد مالية تساعدهم على خوض الاستحقاقات الانتخابية في ظروف أكثر تكافؤا وعدالة.
وأشار المسؤول الحكومي إلى أن هذا الدعم سيشمل لوائح الترشيح على مستوى الدوائر الانتخابية المحلية والجهوية، مؤكدا أن الاستفادة منه لن تقتصر على المنتمين للأحزاب، بل ستمتد أيضا إلى المترشحين غير المنتمين، في خطوة تعكس انفتاح المنظومة الانتخابية على مختلف الطاقات والكفاءات الشابة.
ويعكس هذا الإجراء وعيا متناميا بأهمية تجديد النخب السياسية وضخ دماء جديدة داخل المؤسسات المنتخبة، خاصة في ظل التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي تفرض الحاجة إلى فاعلين سياسيين قادرين على التفاعل مع انتظارات الأجيال الصاعدة واستيعاب رهانات المرحلة.
كما يُرتقب أن يسهم هذا الدعم العمومي في تقليص الفوارق المرتبطة بالإمكانيات المادية بين المرشحين، والتي غالبا ما تشكل عائقا أمام انخراط الشباب في العمل السياسي، لا سيما أولئك الذين يفتقرون إلى دعم مالي أو حزبي قوي.
ويرى متتبعون أن هذه الخطوة قد تشكل دفعة قوية نحو تحفيز الشباب على الانخراط الفعلي في الحياة السياسية، ليس فقط كمصوتين، بل كفاعلين مباشرين في صناعة القرار، وهو ما من شأنه تعزيز الثقة في المؤسسات المنتخبة، وتكريس مسار ديمقراطي أكثر تمثيلية ونجاعة.
وبموازاة الأهداف المعلنة لهذا المرسوم، يُرتقب أن ترافقه مجموعة من الآليات التنظيمية التي تضمن حسن تنزيله وشفافية الاستفادة منه، خاصة في ما يتعلق بتحديد معايير توزيع الدعم، وطرق صرفه، وكذا آليات المراقبة والتتبع. فالتجارب السابقة في تمويل الحملات الانتخابية أظهرت أهمية إرساء قواعد واضحة لتفادي أي استغلال غير مشروع للأموال العمومية.
ومن المنتظر أن تخضع لوائح المستفيدين لمراقبة دقيقة من قبل الجهات المختصة، مع إلزام المترشحين بتقديم تقارير مفصلة حول أوجه صرف الدعم، بما يعزز مبادئ الحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة. كما أن اعتماد معايير موضوعية وشفافة من شأنه أن يكرس الثقة في هذا الورش الإصلاحي، ويحد من أي تأويلات قد تثير الجدل حول نزاهة العملية.
ورغم الأهمية التي يكتسيها هذا القرار، إلا أن نجاحه يظل رهينا بقدرته على تجاوز عدد من التحديات الواقعية، من أبرزها مدى إقبال الشباب على الانخراط الفعلي في العمل السياسي، في ظل ما يسجل أحيانا من عزوف أو فقدان للثقة في المؤسسات التمثيلية.
كما يطرح تحدي التأطير الحزبي نفسه بقوة، إذ إن توفير الدعم المالي وحده قد لا يكون كافيا إذا لم يُواكب بتكوين سياسي وتأطير ميداني يمكن الشباب من اكتساب المهارات اللازمة لخوض غمار الانتخابات والتفاعل مع قضايا الشأن العام بكفاءة ومسؤولية.
إلى جانب ذلك، تبرز إشكالية تحقيق تكافؤ الفرص بين مختلف الفئات العمرية، بما يضمن عدم خلق نوع من التمييز العكسي، ويُبقي التنافس الانتخابي قائما على أساس البرامج والكفاءة، لا فقط على الامتيازات
ويشكل هذا المرسوم خطوة متقدمة نحو إعادة تشكيل الخريطة السياسية الوطنية، عبر تمكين جيل جديد من الفاعلين من ولوج المؤسسات المنتخبة والمساهمة في صياغة السياسات العمومية.
كما يعكس إرادة رسمية في الاستثمار في الرأسمال البشري الشبابي، باعتباره ركيزة أساسية لتحقيق التنمية وتعزيز المسار الديمقراطي. غير أن الرهان الحقيقي يظل في قدرة هذه المبادرة على التحول من إجراء قانوني إلى ممارسة سياسية فعالة، تفرز نخباً جديدة قادرة على إحداث الفرق، والاستجابة لتطلعات المواطنين، في سياق وطني يتطلع إلى مزيد من التحديث والإصلاح.








