“5 أكتوبر” يعود إلى الواجهة وسط جدل سياسي واجتماعي متصاعد
تتجه الأنظار في الجزائر إلى 5 أكتوبر 2026، مع تداول دعوات عبر منصات التواصل الاجتماعي، خصوصاً «فيسبوك» و«إكس»، تدعو إلى العودة إلى الشارع وإحياء الاحتجاجات التي طبعت المشهد الجزائري منذ اندلاع حراك 2019، وسط مطالب سياسية واجتماعية تتحدث عن ضرورة إحداث تغيير عميق في طريقة إدارة البلاد.
وتبقى هذه الدعوات، في الوقت الراهن، مبادرات متداولة عبر شبكات التواصل الاجتماعي، ولا تتوفر المعطيات المتاحة على ما يثبت قدرتها على تحويل الدعوات الرقمية إلى تعبئة ميدانية واسعة يوم 5 أكتوبر. كما لم يتضح من المصادر التي أمكن التحقق منها وجود قيادة موحدة أو هيكل تنظيمي مركزي يقف وراء هذه الدعوات.
وتداول مستخدمون جزائريون عدداً من الوسوم والشعارات المرتبطة بموعد الخامس من أكتوبر، من بينها «5 أكتوبر» و**«كلنا في الشارع من أجل الجزائر»**، إلى جانب شعارات تنتقد حصيلة السنوات الأخيرة وتدعو إلى تغيير سياسي واسع.
وتتضمن بعض المنشورات المتداولة مطالب بإنهاء ما يصفه أصحابها بهيمنة المؤسسة العسكرية على الحياة السياسية، إلى جانب انتقادات موجهة إلى الرئيس عبد المجيد تبون وطريقة إدارة الملفات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.
ويستند أصحاب هذه الدعوات إلى تجربة الحراك الشعبي الذي انطلق في فبراير 2019، حين خرجت حشود كبيرة في مدن جزائرية للمطالبة برحيل الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة ورفض ترشحه لولاية خامسة. وانتهى المسار آنذاك باستقالة بوتفليقة في أبريل 2019، قبل انتخاب عبد المجيد تبون رئيساً في ديسمبر من السنة نفسها.
غير أن الحراك فقد زخمه تدريجياً، خصوصاً بعد تفشي جائحة كورونا، قبل أن تستأنف احتجاجات محدودة في مراحل لاحقة، في وقت واجه فيه ناشطون إجراءات أمنية وقضائية متزايدة. وتؤكد تقارير حقوقية أن السلطات شددت القيود على الاحتجاج والتعبير السياسي خلال السنوات التي أعقبت الحراك.
وتحاول الحملات الرقمية الجديدة توظيف ملفات اجتماعية واقتصادية وسياسية لإعادة تحريك الشارع، من خلال انتقاد أوضاع المعيشة، والبطالة، والقدرة الشرائية، فضلاً عن وضع الحريات العامة والإعلامية.
وتأتي هذه التطورات بعد انتخابات تشريعية شهدتها الجزائر في يوليوز 2026، وسط حديث عن فتور سياسي واسع وضعف المشاركة. وأشارت تقارير إعلامية إلى أن نسبة المشاركة في انتخابات 2021 بلغت نحو 23 في المائة، وهي الأدنى في الانتخابات التشريعية الجزائرية منذ الاستقلال، في مؤشر على أزمة ثقة بين قطاعات من الناخبين والمؤسسات السياسية.
ولا تبدو معركة الشارع منفصلة عن الفضاء الرقمي؛ فقد تحولت مواقع التواصل خلال السنوات الأخيرة إلى ساحة رئيسية للتعبير عن المعارضة والاحتجاج في الجزائر.
وأفادت منظمة «هيومن رايتس ووتش» بأن السلطات الجزائرية أوقفت أشخاصاً بسبب منشورات ووسوم سياسية على شبكات التواصل، بينما وثقت تقارير حقوقية أخرى أحكاماً قضائية طالت ناشطين على خلفية نشاطهم الرقمي.
كما تشير «فريدوم هاوس» في تقريرها لعام 2026 إلى استمرار القيود على حرية التجمع والتعبير السياسي، معتبرة أن التضييق الذي أعقب حراك 2019 ساهم في منع عودة الاحتجاجات الجماهيرية واسعة النطاق.
وفي المقابل، من المتوقع أن تنظر السلطات الجزائرية بحذر إلى أي دعوات لإعادة الاحتجاجات إلى الشارع، خصوصاً إذا تحولت الحملات الرقمية إلى تجمعات فعلية في عدد من المدن.
ويظل موقف السلطات قائماً على أولوية الحفاظ على الاستقرار ووحدة البلاد، بينما يرى منتقدوها أن معالجة الاحتقان لا يمكن أن تقتصر على المقاربة الأمنية، وإنما تتطلب أيضاً فتح المجال أمام التعبير السياسي والمدني ومعالجة الملفات الاجتماعية والاقتصادية التي تغذي حالة الاستياء.
5 أكتوبر.. موعد رقمي ينتظر اختبار الشارع
وبينما تزداد المنشورات والوسوم المرتبطة بموعد 5 أكتوبر 2026، يبقى السؤال الأساسي هو ما إذا كانت هذه الحملة ستظل محصورة داخل الفضاء الافتراضي، أم ستتحول إلى احتجاجات ميدانية قادرة على استقطاب أعداد كبيرة من الجزائريين.
فبعد أكثر من سبع سنوات على انطلاق حراك 2019، تبدو الجزائر أمام نقاش متجدد حول العلاقة بين الشارع والمؤسسات، وحدود الحريات السياسية والمدنية، ومدى قدرة النظام السياسي على استيعاب المطالب الاجتماعية والسياسية المتزايدة. وفي المقابل، فإن حجم أي تحرك مستقبلي لا يمكن استنتاجه من انتشار الوسوم وحدها، بل سيتحدد ميدانياً بمدى المشاركة والتنظيم والاستجابة الرسمية.
والثابت أن الخامس من أكتوبر المقبل تحول بالفعل إلى موعد رمزي في الخطاب الاحتجاجي المتداول على الإنترنت، لكن اختبار تأثيره الحقيقي سيبقى في الشارع لا على شاشات الهواتف









