أعاد العدد الأخير من مجلة لوبوان الفرنسية، بعنوان لافت: “القبائل، شعب صامد“، فتح واحد من أكثر الملفات حساسية في العلاقات الجزائرية ـ الفرنسية، بعدما تجرأ على طرق باب مسكوت عنه منذ عقود، يتعلق بحقوق وهوية منطقة القبائل، وما يرافقها من جدل سياسي وحقوقي متجدد.
المجلة لم تكتفِ بسرد خلفية تاريخية وثقافية عن القبائل، بل قدمت مادة سياسية مشحونة بشهادات وأرقام، استندت إلى تقارير حقوقية دولية توثق الاعتقالات والقمع الذي يطال نشطاء المنطقة. خطوة قرأها مراقبون كتحول في الخطاب الإعلامي الفرنسي إزاء قضية يعتبرها النظام الجزائري خطاً أحمر لا يقبل النقاش.
ردّ الجزائر جاء سريعاً وعصبياً؛ إذ شنت وسائل إعلام رسمية حملة عنيفة ضد لوبوان، ووصفت الملف بأنه “تدخل استعماري سافر”. غير أن حدة الرد، بحسب محللين، تعكس خشية السلطة من تأثير مثل هذا النقاش على صورة “الوحدة الوطنية” التي بُنيت عليها شرعية النظام منذ الاستقلال.
في المقابل، أبدت الجالية القبائلية بفرنسا ارتياحاً لفتح هذا الملف، واعتبرته كسراً لحاجز الصمت الذي طبع الموقف الفرنسي طويلاً تجنباً لتأزيم العلاقات مع الجزائر. أما اليوم، فباريس تبدو أمام اختبار صعب بين مقتضيات الواقعية السياسية وضغوط الأصوات الحقوقية والإعلامية المطالبة بعدم تجاهل ما يحدث في منطقة القبائل.
المفاجأة الأبرز جاءت من فرحات مهني، زعيم حركة الماك ورئيس “الحكومة القبائلية في المنفى”، الذي وصف الملف بأنه دليل على حالة “ذعر” داخل النظام الجزائري. وأكد أن فرنسا بدأت تدرك أن الاعتراف بحق الشعب القبائلي في تقرير مصيره قد يكون السبيل الوحيد لموازنة تشدد السلطة الجزائرية.
مهني شدد على أن الاعتراف المحدود بالأمازيغية أو الإصلاحات الجزئية ليست سوى أدوات لتسكين الغضب، بينما يبقى “تقرير المصير” الخيار الحقيقي المطروح على الطاولة، معتبراً أن ما نشرته لوبوان يمثل بداية مسار جديد نحو تدويل القضية.
الجدل تجاوز الجزائر إلى الداخل الفرنسي، حيث انقسمت الآراء بين من يرى في الملف ممارسة طبيعية لحرية الصحافة، ومن يعتبره انحيازاً ضمنياً لنزعة انفصالية قد تهدد استقرار المنطقة. مواقع قبائلية رحبت بفتح النقاش لكنها انتقدت ما وصفته بـ”زاوية استشراقية” تجاهلت أصوات الداخل القبائلي لصالح روايات منفى ومعارضة.
هكذا، تعود القضية القبائلية إلى الواجهة من بوابة الإعلام الدولي، بعد أن شكلت شرارة محطات بارزة مثل “الربيع الأمازيغي” سنة 1980 و”الربيع الأسود” في 2001. وما يزيد حدة الجدل أن عنوان لوبوان لم يكن محايداً: “شعب صامد”، صياغة رآها كثيرون بمثابة اعتراف صريح بكيان سياسي قائم، وتهديد مباشر للرواية الرسمية الجزائرية حول الهوية والوحدة الوطنية.







