الجامعي أبو الشتاء
في خطوة تحمل نبرة حزم غير مسبوقة، دخلت وزارة الصحة والحماية الاجتماعية على خط الجدل القديم المتجدد حول “تداخل” القطاعين العام والخاص، عبر اجتماع وصفته مصادر مطلعة بالمفصلي، جمع بين المفتشية العامة والوكالة الوطنية للتأمين الصحي والهيئة الوطنية للأطباء. اجتماع لم يكن عادياً، بل مهّد لإطلاق لجنة مختلطة ستجوب المصحات الخاصة، في مهمة تدقيق قد تعيد رسم قواعد اللعبة داخل المنظومة الصحية.
الرسالة التي خرج بها الاجتماع كانت واضحة، بل وصارمة إلى حد الصدمة: لا تساهل بعد اليوم مع الأطباء الذين يجمعون بين وظيفتهم في القطاع العام والعمل داخل المصحات الخاصة. تعليمات مباشرة صدرت تقضي بتوقيف أي طبيب يُضبط في حالة “تلبس مهني” خارج الإطار القانوني، مع إحالة ملفه فوراً على المجلس التأديبي. إجراء يشي بأن الوزارة قررت الانتقال من مرحلة التغاضي إلى مرحلة الزجر.
هذا التحرك لم يمر دون ارتدادات داخل القطاع الخاص، حيث سارعت إدارات عدد من المصحات إلى إعادة ترتيب أوراقها بشكل مستعجل. في مقدمة هذه المؤسسات، برزت مجموعة أكديطال، التي دعت فروعها إلى التوقف المؤقت عن الاستعانة بأطباء القطاع العام، في انتظار انقشاع “غبار الحملة” التي يُتوقع أن تكون لها تداعيات مباشرة على سير العمل داخل هذه المصحات.
ويبدو أن هذه الحملة، رغم ما تحمله من أهداف تنظيمية، تضع المصحات الخاصة أمام معادلة صعبة: كيف يمكن ضمان استمرارية الخدمات في ظل غياب شريحة من الأطباء الذين كانوا يشكلون دعامة أساسية؟ سؤال يفتح الباب أمام نقاش أوسع حول بنية المنظومة الصحية، وحدود التكامل – أو التداخل – بين القطاعين.
في العمق، لا يتعلق الأمر فقط بحملة مراقبة ظرفية، بل بمؤشر على تحول في فلسفة تدبير القطاع الصحي، عنوانه الأبرز: فرض الانضباط وإعادة توزيع الأدوار. غير أن نجاح هذه المقاربة سيظل رهيناً بقدرة الوزارة على تحقيق التوازن بين الصرامة التنظيمية وضمان استمرارية العرض الصحي، خاصة في ظل الخصاص الذي يعانيه القطاع.
وبين حزم الوزارة وقلق المصحات، يقف المواطن في موقع المتابع، مترقباً ما إذا كانت هذه الإجراءات ستنعكس فعلاً على جودة الخدمات الصحية، أم أنها ستفتح فصلاً جديداً من التوتر داخل قطاع لا يحتمل مزيداً من الارتباك.








