أمين سامي : الرهان الاقتصادي القادم يتطلب الانتقال من قياس الاعتمادات إلى تحقيق النتائج والأثر الملموس
الرباط : أنوار لاركو
تأتي قراءة البرنامج الحكومي في مرحلة مفصلية تتطلب إعادة النظر في آليات إدارة النمو وتوزيع ثماره، حيث لم يعد الرهان المباشر محصوراً في إطلاق الأوراش الكبرى أو توسيع نطاق الاعتمادات والمالية العمومية، بقدر ما أصبح متمحوراً حول قياس الأثر الفعلي لهذه الاستثمارات على حياة المواطنين. وفي هذا السياق، تطرح الوثيقة الحكومية توجهات تصحيحية تسعى إلى الانتقال بالسياسات العمومية من المنطق القطاعي التقليدي القائم على تدبير الإمكانيات إلى منطق النتائج الملموسة والإنصاف الترابي.

ويستعرض هذا التحليل الذي قدمه الخبير الاقتصادي أمين سامي، المقاربة النسقية التي يعتمدها البرنامج لمعالجة اختلالات التحويل الاقتصادي والاجتماعي والجهوي، مميزاً بين أبعاد الاستمرارية والتصحيح والتحول المؤسسي، ومحدداً الشرط الاستراتيجي للوصول إلى نمو إنتاجي وإدماجي يستجيب لرهانات المرحلة.
تكشف قراءة البرنامج الحكومي عن محاولة لإعادة صياغة العقد التنموي المغربي على أساس تحول جوهري، هذا ما أكده الخبير الاقتصادي سامي أمين وذلك من خلال :
الانتقال من دولة توسع نطاق البرامج والتغطيات والاستثمارات، إلى دولة تعمل أن تنتج نتائج قابلة للقياس على مستوى الدخل والشغل والخدمات والإنصاف الترابي. وبالتالي تظهر خمسة انتقالات مؤسسة لهذا التوجه: من الاستثمار إلى الإنتاجية والتشغيل و من التغطية الاجتماعية إلى الحماية الفعلية وجودة الخدمات، من المساعدات إلى الإدماج والتمكين الاقتصادي والاستقلالية، من التدبير القطاعي المجزأ إلى التنمية الترابية المندمجة، ثم من قياس الاعتمادات والإنجازات المادية إلى قياس النتائج والأثر.
وفي ذات السياق شدد أمين سامي أن البرنامج يتضمن تحولاً مهماً على مستوى فلسفة السياسات العمومية. فالوثيقة تعالج مجموعة من الاختلالات البنيوية بصورة مترابطة ونسقية : ضعف تحويل النمو إلى تشغيل، وفجوة الأثر بين الاستثمارات والخدمات، وضغط القدرة الشرائية، والتفاوتات الترابية، وهشاشة الموارد المائية، والحاجة إلى قاعدة إنتاجية وطنية أقوى.
فأكبر امتحان للحكومة لن يكون قدرتها على إطلاق أوراش جديدة، بل قدرتها على معالجة ثلاثة اختلالات متزامنة ومترابطة ونسقية، تتجلى في : اختلال التحويل الاقتصادي من استثمارات كبيرة لا تولّد دائماً إنتاجية وقيمة مضافة وشغلاً بالقدر المتوقع،و اختلال التحويل الاجتماعي، ارتفاع التغطية والإنفاق لا يترجم تلقائياً إلى تحسن متناسب في جودة العلاج والتعليم ومستوى العيش، و اختلال التحويل الترابي، من بنية تحتية متطورة ومؤشرات وطنية إيجابية تتعايش مع تفاوتات محلية وجهوية كبيرة.
ومن منظور نسقي، فإن هذه الاختلالات ليست مستقلة حسب الخبير سامي، بل نسقية. فضعف جودة التعليم يؤثر في إنتاجية المقاولات، وضعف الإنتاجية يحد من الأجور والموارد الجبائية، وضعف الموارد وجودة الإنفاق يعرقلان تحسين الخدمات، وتتعمق هذه الحلقة في المجالات الترابية الأقل جاذبية للاستثمار.
وبالتالي فإن السؤال الاستراتيجي الأهم بالنسبة للخبير سامي ليس، هل تستطيع الحكومة تنفيذ التدابير المعلنة؟
بل:هل تستطيع الحكومة تغيير العلاقة بين الاستثمار والإنتاجية، وبين النمو والتوزيع، وبين الاختصاصات الترابية والقدرة الفعلية على التنفيذ، بحيث يصبح التحسن الاقتصادي محسوساً في حياة المواطنين قبل نهاية 2031؟
فالبرنامج الحكومي، هو بين الاستمرارية والتصحيح والتحول، فهو لا يقدم نفسه بوصفه قطيعة شاملة مع سياسات 2021–2026. بل يحتفظ بأوراش الحماية الاجتماعية، والاستثمار، والبنيات التحتية، والجهوية المتقدمة، والأمن المائي والطاقي، لكنه في المقابل يقترح إعادة توجيهها. فعلى مستوى الاستمرارية، تجلى في السكك الحديدية، المطارات، الحماية الاجتماعية، الاستثمار، الماء، وبالتالي الغاية هي أنها تحفظ استقرار الأوراش وتراكم المكاسب.
أما على مستوى التصحيح، فيتجلى في : إصلاح الأسواق، محاربة الوساطة الانتهازية، تحسين الاستهداف، محاربة الهدر، وبالتالي فهي تعالج اختلالات سبق أن كشفتها التجربة.
أما على مستوى التحول، من خلال التعاقد الترابي بالنتائج، ربط الدعم بالتشغيل، مرصد الواردات، إعادة هندسة المؤسسات، وبالتالي هذا يمكن أن يغير منطق السياسات إذا نُفذ فعلياً.
وبالتالي فالبرنامج ليس برنامج قطيعة اقتصادية حسب الخبير الاقتصادي، بل يمكن اعتباره، مشروع لتحويل نموذج إدارة النمو وتوزيع ثماره. وبالتالي تكمن قيمته المحتملة في التصحيح المؤسسي أكثر من مجرد إضافة الاعتمادات.
وعلى مستوى الاختبار الاقتصادي، فالبرنامج يراهن على نمو اقتصادي حقيقي بمتوسط 5% سنوياً بين 2027 و2031، هذا مقابل متوسط يقدره بنحو 3.7% خلال 2022–2025.
فالمشكل ليس في إمكانية بلوغ 5% في سنة معينة، بل في القدرة على الحفاظ عليها خمس سنوات متتالية. فوفق التقسيم الثلاثي للنمو، يمكن أن نقول، أنه يكشف عن مزيج من ثلاثة أنماط: النمو التوسعي، وتدعمه الاستثمارات في السكك والطرق والمطارات والسدود والعقار والتجهيزات. وبالتالي أثره الأول رفع الطلب والتكوين الرأسمالي، لكن مردوديته الطويلة الآجال تتوقف على الاستغلال والربط بالأنشطة الإنتاجية، و النمو الإنتاجي ويرتبط بتحسين كفاءة المقاولات، وخفض كلفة الطاقة واللوجستيك، وتطوير التكنولوجيا، وتعميق الاندماج الصناعي، واستبدال الواردات بصورة تنافسية، والنمو التحويلي الإدماجي، ويظهر في إدماج الشباب والنساء، وتحسين جودة العمل، وتطوير الأقطاب الاقتصادية الترابية، ورفع القيمة المضافة المحلية، ونقل العاملين من أنشطة ضعيفة الإنتاجية إلى أنشطة أكثر إنتاجاً.
وأهم فرصة هي إعادة تصميم العلاقة بين الصناعة والخدمات. فالاقتصاد الصناعي يحتاج إلى خدمات لوجستية وتمويلية ورقمية وهندسية متقدمة، كما تحتاج الخدمات ذات القيمة المضافة إلى قاعدة إنتاجية وتكنولوجية صلبة. ومن منظور سلاسل القيمة، يمكن أن يتولد أثر أكبر عندما يصبح الاستثمار في مصنع مرتبطاً في الوقت نفسه بموردين محليين، وبجامعة أو مركز بحث، وبخدمات نقل وتخزين، وبعقود شراء وطنية، وبطاقات نظيفة تنافسية.
وختاما شدد أمين سامي أنه لا ينبغي أن تُقاس السياسة الصناعية بعدد المصانع أو قيمة الصادرات وحدهما، بل بنسبة المحتوى المحلي الحقيقي، والإنتاجية لكل ساعة عمل، والتعقيد الصناعي، وقيمة المشتريات المحلية، والربح المعاد استثماره.









