حين تُفتح دفاتر الحساب يوماً ما، سيجد صناع القرار في الجزائر أنفسهم أمام سؤال ثقيل: كيف أُنفقت مليارات الدولارات على مشروع انفصالي لم يحقق سوى مزيد من التوتر الإقليمي واستنزاف الموارد؟ وبأي منطق يمكن تبرير عقود من الدعم السياسي والمالي والدبلوماسي لقضية لم تثمر واقعاً جديداً، بينما يرزح الداخل تحت أزمات معيشية متكررة؟
القضية لم تعد سجالاً خارجياً، بل تحوّلت إلى معادلة داخلية صعبة. فالمواطن الذي يصطف في صفوق التموين، ويواجه اختلالات في الماء والغاز، ويعاني من ندرة بعض المواد وقطع الغيار، يطرح سؤال الأولويات قبل أي شيء آخر. كيف لدولة تملك ثروات طاقية هائلة أن تعجز عن تحويلها إلى رفاه اجتماعي مستدام؟ وأين صُرفت الإمكانات التي كان يفترض أن تترجم إلى تنمية وفرص شغل وبنية تحتية قوية؟
منذ سنوات طويلة، جُعل ملف دعم الانفصال جزءاً ثابتاً من العقيدة السياسية للنظام العسكري في الجزائر. لم يعد الأمر مجرد موقف دبلوماسي، بل تحول إلى رافعة خطابية تُستحضر كلما اشتدت الضغوط الداخلية. في مثل هذه السياقات، يُستعمل النزاع الخارجي لتأجيل النقاش حول الإصلاح، ولإعادة ترتيب المشهد الداخلي حول “قضية كبرى” تُقدم باعتبارها أولوية وطنية.
غير أن الإصرار على هذا النهج يكشف بعداً أعمق: الحاجة إلى سردية صراع دائمة تبرر استمرار منطق الطوارئ السياسية. فحين تخبو الشعارات التاريخية، ويضعف بريق الإيديولوجيات القديمة، يصبح التمسك بملف خارجي بمثابة صمام أمان لنظام يخشى الفراغ السياسي أكثر مما يخشى الجمود الاقتصادي.
لكن المجتمعات لا تبقى رهينة الخطاب إلى ما لا نهاية. وعي الشعوب يتراكم، ومعه تتغير معايير الحكم على الأداء السياسي. الجزائري اليوم يقيس النجاح بقدرته على العيش الكريم، وجودة الخدمات، وتوفر فرص العمل، لا بحجم الخطابات المعلبة أو الصراعات المؤجلة.
لو وُجهت تلك المليارات إلى قطاعات التعليم والصحة والصناعة والزراعة، لكان بالإمكان بناء اقتصاد متنوع يقلص الارتهان للمحروقات، ويمنح الشباب أملاً داخل وطنهم بدل البحث عنه خارجه. وكان يمكن أيضاً أن يُعاد إحياء حلم التكامل المغاربي الذي أُجهض مراراً بفعل حسابات سياسية ضيقة.
الرهان على الانفصال لم يُحقق اختراقاً استراتيجياً، لكنه عمّق الفجوة بين الإمكانات المتاحة والنتائج المحققة. وهنا يتجدد السؤال الجوهري: من يتحمل مسؤولية هذا الخيار؟ ومن يعوّض سنوات كان يمكن أن تكون مساراً للإصلاح بدل أن تصبح امتداداً لسياسة الاستنزاف؟
قد يستمر التشبث بهذا الملف باعتباره آخر عناصر الإجماع داخل دوائر القرار، غير أن الأزمات المتراكمة تفرض في النهاية إعادة ترتيب الأولويات. فالشعوب لا تُقاسَم بالأوهام، ولا تُساق إلى المستقبل بالشعارات، بل تُبنى بالاستثمار الرشيد في الإنسان والاقتصاد.
وتبقى الحقيقة بسيطة: التنمية وحدها قادرة على صناعة الشرعية الدائمة، أما النزاعات المفتعلة المفتوحة فمهما طال أمدها، تظل عبئاً ثقيلاً حين تُقاس بكلفة الفرص الضائعة.








