مستجدات

مغاربة العالم: ثروة استراتيجية بين الاعتراف الدستوري وتحديات التمثيل السياسي

[ALLNEWS]5 سبتمبر 2025
مغاربة العالم: ثروة استراتيجية بين الاعتراف الدستوري وتحديات التمثيل السياسي

يشكّل مغاربة العالم، الذين يتراوح عددهم بين 5 و6 ملايين نسمة، ما يعادل 10 إلى 15٪ من ساكنة المغرب، وهو رقم يجعل هذه الفئة أحد أبرز المكونات السوسيوديموغرافية للمملكة. غير أنّ أهميتها لا تقتصر على بعدها العددي فقط، بل تتجلى أيضاً في أبعادها الاقتصادية، الاجتماعية والسياسية، مما جعلها تحظى باهتمام متزايد من طرف الدولة منذ عقود.

فمن الناحية الاقتصادية، تُعدّ الجالية المغربية بالخارج شرياناً مالياً أساسياً، إذ تضخ تحويلات مالية تعادل في المتوسط 10٪ من الناتج الداخلي الخام، ما يجعلها تتفوق في بعض السنوات على الاستثمار الأجنبي المباشر والمساعدات العمومية الموجهة للتنمية. هذه المكانة الاستراتيجية دفعت السلطات المغربية إلى تعبئة مؤسساتية واسعة منذ الثمانينيات، من خلال شبكات القنصليات، الأبناك، ثم عبر إحداث وزارة خاصة بالمغاربة المقيمين بالخارج ومؤسسة الحسن الثاني التي أولت اهتماماً بالأبعاد الثقافية والاجتماعية للهجرة.

ومع مطلع الألفية الثالثة، تسارعت خطوات الدولة في مقاربة ملف الهجرة، في سياق سياسي جديد تميز بتعاقب حكومي غير مسبوق واعتلاء الملك محمد السادس العرش. أُطلقت مبادرات كبرى مثل المنتدى الدولي للمهارات المغربية بالخارج (FINCOME) ومجلس الجالية المغربية بالخارج، في محاولة لربط الكفاءات المغربية المقيمة في الخارج بفرص التنمية الوطنية. ورغم هذه الجهود، بقيت المشاركة السياسية للجالية الحلقة الأضعف.

فالدستور الجديد لسنة 2011 كان بمثابة اعتراف صريح بحقوق المواطنة الكاملة لمغاربة العالم، بما فيها الحق في التصويت والترشح، بل نص على تعزيز حضورهم في المؤسسات الاستشارية وهيئات الحكامة. غير أن هذا الاعتراف ظلّ، إلى اليوم، حبراً على ورق، إذ لا يزال غياب تمثيلية فعلية للجالية في البرلمان والحكومة مؤشراً على فجوة كبيرة بين النصوص الدستورية والتنزيل العملي.

الأحزاب السياسية المغربية بدورها حاولت أن تملأ هذا الفراغ، عبر تأسيس تنسيقيات ومكاتب بالخارج، خاصة في أوروبا وأمريكا الشمالية. غير أن هذه المحاولات ظلت في حدود الرمزية، حيث لم تنجح في تحقيق تمثيل سياسي حقيقي يوازي ثقل الجالية الاقتصادي والاجتماعي.

أمام هذا الوضع، أوصى المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي بإعادة ترتيب البيت المؤسسي الخاص بمغاربة العالم، من خلال منح مؤسسة الحسن الثاني دوراً تنفيذياً استراتيجياً، وإحداث لجنة عليا لقضايا الهجرة مرتبطة مباشرة برئاسة الحكومة، فضلاً عن اعتماد آليات رقمية لتسهيل مشاركة الجالية في الاستحقاقات الانتخابية.

يبقى السؤال الجوهري إذن: كيف يمكن للمغرب أن يحوّل القوة الناعمة لمغاربة العالم من مجرد “رافعة مالية” إلى “شريك سياسي” كامل الحقوق والواجبات؟
فالرهان لم يعد يقتصر على استقطاب تحويلاتهم المالية، بل على إدماجهم في القرار السياسي الوطني، باعتبارهم مواطنين كاملي المواطنة، وباعتبار المغرب في النهاية وطنهم الذي يحملونه في هويتهم مهما باعدت بينهم وبين أرضه الجغرافية آلاف الكيلومترات.

الاخبار العاجلة
error: تحذير: المحتوى محمي