في خطوة تُعيد النقاش حول مبادئ المواطنة والهجرة إلى الواجهة، عاد مقترح إلغاء منح الجنسية التلقائية لأبناء المهاجرين غير النظاميين المولودين على الأراضي الأميركية ليشعل الجدل من جديد في الأوساط السياسية والحقوقية بالولايات المتحدة. المقترح، الذي تدعمه تيارات يمينية محافظة، يرمي إلى تعديل تفسير التعديل الرابع عشر من الدستور الأميركي الذي ينص على أن “كل من وُلد أو تجنّس في الولايات المتحدة وخضع لسلطاتها القضائية، فهو مواطن للولايات المتحدة وللولاية التي يقيم فيها“.
ويستند هذا التعديل منذ أكثر من قرن إلى مبدأ “حق الأرض” أو Jus Soli، الذي يضمن الجنسية تلقائياً لكل من وُلد على التراب الأميركي، بغض النظر عن وضعية والديه القانونية. لكن منتقدي هذا المبدأ يرون فيه “ثغرة قانونية” تُستغل لتكريس ما يسمى بـ”سياحة الولادة”، ويعتبرونه محفزاً للهجرة غير النظامية.
في المقابل، ترى منظمات حقوق الإنسان ومجموعة من القانونيين والباحثين أن أي مساس بهذا الحق يمثل تهديداً خطيراً لقيم العدالة والمساواة، ومقدمة لتكريس تمييز قانوني على أساس الأصل العائلي، مما قد يؤدي إلى خلق “فئة عديمي الجنسية” داخل الولايات المتحدة، بما يحمله ذلك من عواقب إنسانية واجتماعية جسيمة.
البيت الأبيض لم يُبد موقفاً رسمياً حاسماً، لكن أوساطاً من الحزب الجمهوري تضغط منذ سنوات في اتجاه سن تشريع يقيّد حق الحصول على الجنسية بالولادة، خصوصاً لأبناء المهاجرين غير النظاميين. في حين يتمسّك الديمقراطيون وقطاعات واسعة من المجتمع المدني بكون هذا الحق جزءاً من الروح الدستورية الأميركية ومن المبادئ التأسيسية للبلاد.
ويبقى السؤال المطروح اليوم: هل تقف أميركا على أبواب تحوّل جذري في فلسفتها القانونية حول الجنسية والمواطنة؟ أم أن القيم الدستورية ستصمد أمام رياح الشعبوية السياسية؟ في كل الأحوال، فإن مصير مئات الآلاف من الأطفال الأبرياء، ووجه أميركا كأرض للفرص، أصبحا على المحك.
الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب يُعد من أبرز الأصوات التي دعت صراحة إلى إلغاء منح الجنسية التلقائية لأبناء المهاجرين غير النظاميين المولودين على الأراضي الأميركية، وهي خطوة وصفها بأنها ضرورية “لحماية سيادة الولايات المتحدة” و”لوقف استغلال ثغرات قانون الهجرة“.
في عام 2018، خلال ولايته الأولى، أعلن ترامب في مقابلة صحفية أنه يعتزم إصدار أمر تنفيذي لإنهاء ما وصفه بـ”العبث الدستوري” المتعلق بمنح الجنسية التلقائية. وقال:
“نحن الدولة الوحيدة في العالم، حيث يأتي شخص، ويُنجِب طفلاً، فيُصبح الطفل مواطنًا أميركياً مع كل الامتيازات. هذا سخيف. يجب أن يتوقف.”
و واجه هذا التصريح انتقادات قانونية واسعة، حيث أكد خبراء الدستور أن أي تغيير في تفسير التعديل الرابع عشر يتطلب تعديلًا دستورياً وليس مجرد أمر تنفيذي، مما يجعل تطبيق هذا الطرح في الواقع أمرًا معقدًا من الناحية القانونية والسياسية.
خلال حملته الانتخابية لعام 2024، عاد ترامب ليؤكد عزمه على إنهاء “الجنسية بالولادة”، متعهداً بأن يتخذ خطوات أكثر حزماً إذا عاد إلى البيت الأبيض، معتبرًا أن هذا الإجراء ضروري لوقف ما وصفه بـ”غزو المهاجرين” عبر الحدود، في إشارة إلى موجات الهجرة القادمة من أميركا اللاتينية.
إن موقف ترامب من هذه القضية يعكس توجهاً قومياً متشدداً في ملف الهجرة، ويهدف إلى إعادة تعريف شروط المواطنة الأميركية. لكن هذا التوجه يواجه تحديات دستورية وقانونية كبيرة، فضلاً عن اعتراضات من قوى المجتمع المدني التي تعتبر أن التراجع عن مبدأ “الجنسية بالولادة” يشكل تهديداً جوهرياً لروح الدستور الأميركي وقيمه الإنسانية.









