أعادت الأحكام القضائية الصادرة عن المحكمة الابتدائية بتطوان في حق عدد من سائقي سيارات الأجرة المتابعين في قضايا مرتبطة بالمساعدة على الهجرة غير النظامية، فتح نقاش واسع حول حدود المسؤولية القانونية للمهنيين، ومدى إمكانية تحميل قطاع النقل العمومي تبعات ظواهر اجتماعية وأمنية تتجاوز بكثير طبيعة الاختصاصات المنوطة به.
ففي الوقت الذي تؤكد فيه النقابة الوطنية لسيارات الأجرة، المنضوية تحت لواء الفيدرالية الديمقراطية للشغل، رفضها لهذه الأحكام واعتبارها “قاسية”، فإن جوهر الجدل لا يتعلق فقط بمصير السائقين المتابعين، بل يطرح سؤالا أعمق حول الموقع القانوني لسائق سيارة الأجرة: هل هو مجرد ناقل للمواطنين وفق شروط مهنية محددة، أم أنه مطالب بأداء أدوار رقابية وأمنية لا ينص عليها القانون؟
النقابة اعتبرت أن السائقين كانوا يمارسون عملهم بشكل عادي من خلال نقل المواطنين بين تطوان والفنيدق خلال فترة عرفت تدفقا كبيرا للوافدين على المنطقة، مشددة على أن القانون لا يمنحهم صلاحيات مراقبة هويات الركاب أو التحقيق في أهداف تنقلاتهم أو نواياهم. وترى الهيئة النقابية أن تحويل السائق إلى طرف مسؤول عن اختيارات الركاب قد يشكل توسعا في مفهوم المسؤولية، ويضع المهنيين أمام وضعية يصبحون فيها مطالبين بمنع أفعال لا يملكون الوسائل القانونية أو العملية للتصدي لها.
ويستند هذا الموقف إلى مبدأ دستوري واضح يتعلق بحرية التنقل داخل التراب الوطني، حيث تؤكد النقابة أن المواطن له الحق في التنقل ما لم يصدر قرار قانوني يقيد ذلك، وأن مجرد نقل شخص من مدينة إلى أخرى لا يمكن اعتباره، في حد ذاته، فعلا إجراميا ما لم تقترن العملية بأدلة تثبت وجود مشاركة أو علم مسبق بمخطط غير قانوني.
في المقابل، تظل قضايا الهجرة غير النظامية من الملفات الحساسة التي تستدعي يقظة أمنية وقضائية، خاصة عندما يتعلق الأمر بشبكات منظمة تستغل مختلف الوسائل لتسهيل عمليات العبور. غير أن الإشكال الذي يثيره المهنيون يتمثل في ضرورة التمييز بين من يثبت تورطه في أنشطة إجرامية منظمة، وبين من يؤدي خدمة نقل عمومية دون توفره على عناصر أو صلاحيات تسمح له بمعرفة الخلفيات الحقيقية لتنقل الأشخاص.
ويحذر مهنيون من أن توسيع دائرة المتابعة في مثل هذه القضايا قد يخلق حالة من الخوف داخل قطاع النقل، ويجعل السائقين مترددين في أداء مهامهم الطبيعية خشية الوقوع تحت طائلة المتابعة بسبب أفعال لا تدخل ضمن اختصاصاتهم. كما أن تحميل فئات مهنية مسؤوليات أمنية غير منصوص عليها قانونا قد يطرح إشكالات مرتبطة بمبدأ تناسب المسؤولية مع القدرة الفعلية على المنع أو الرقابة.
وبين ضرورة مواجهة شبكات الهجرة غير النظامية وحماية الأمن العام، وبين احترام الحدود القانونية لمسؤوليات مختلف المتدخلين، يبقى الرهان الأساسي هو ضمان عدم الخلط بين دور رجل الأمن ودور المهني الذي يقدم خدمة عمومية. فالمعركة ضد الهجرة السرية تحتاج إلى آلياتها وأجهزتها المختصة، كما تحتاج إلى وضوح قانوني يحمي في الوقت نفسه المجتمع وحقوق العاملين في مختلف القطاعات.








