باحثون: المراقبة المبكرة وتعديل العلاج يحميان نمو دماغ الجنين
أنوار لاركو
تشير نتائج دراسة حديثة إلى أن الإصابة بخلل في وظائف الغدة الدرقية قبل الحمل وخلاله معا ترتبط بزيادة خطر الإصابة باضطراب طيف التوحد لدى الطفل بأكثر من الضعفين، وأوضحت الدراسة أن اضطراب هرمونات الغدة الدرقية خلال فترة الحمل لدى الأمهات اللواتي يعانين من خلل سابق في هذه الغدة قد يرفع من احتمالات إصابة الطفل بالتوحد، بينما يقل هذا الخطر عندما يعالج الخلل المزمن بشكل مناسب.
ويرى أخصائيون أن معالجة الخلل المزمن للغدة الدرقية بشكل مناسب تقلل احتمالات تشخيص إصابة الطفل بمرض التوحد، في حين أن استمرار الاختلالات في عدة مراحل من الحمل يزيد من احتمالات الإصابة به.”
عينة كبيرة ونتائج محددة
شملت الدراسة أكثر من 51 ألف حالة ولادة، وكانت هناك 4409 حالة من بين هذه الحالات التي لوحظت فيها مستويات هرمونات الغدة الدرقية لدى الأمهات غير طبيعية قبل الحمل أو خلاله أو في كلتا الحالتين. وذكرت مجلة “الغدد الصماء السريرية والتمثيل الغذائي” في تقرير الدراسة أن التحكّم الجيّد في أي خلل وظيفي في الغدة الدرقية يجعل الارتباط بخطر إصابة الأطفال باضطراب طيف التوحد غير كبير إحصائيا.
وبحسب نتائج الدراسة، إذا بدأ الخلل في الغدة الدرقية خلال الحمل فقط فإنه يبدو أنه لا يزيد من خطر الإصابة بالتوحد، في حين أن الخلل المستمر قبل الحمل وخلاله هو الذي يرتبط بارتفاع واضح في المخاطر.

كما أظهرت النتائج علاقة أقوى لدى النساء اللواتي يعانين من قصور الغدة الدرقية، أي انخفاض مستويات هرمونات الغدة (T3 وT4). وبيّنت الدراسة أن كلما طال أمد قصور الغدة الدرقية، زاد خطر إصابة الطفل باضطراب طيف التوحد، حيث تتضاعف الاحتمالات إلى ثلاثة أضعاف عندما تكون مستويات الهرمون منخفضة خلال الأشهر الثلاثة الأولى من الحمل وهي فترة حرجة في تكون دماغ الجنين.
ولم يقم الباحثون بتحليل حالات فرط نشاط الغدة الدرقية بشكل منفصل لأن عدد النساء المشاركات المصابات بفرط النشاط كان قليلا جدا ضمن العينة، مما منع الوصول إلى استنتاجات إحصائية واضحة لتلك المجموعة.
لماذا يعتبر ذلك محتملا من الناحية البيولوجية؟
أوضح الباحثون أن هرمونات الغدة الدرقية لدى الأم ضرورية لنمو دماغ الجنين، لا سيما في المراحل المبكرة من الحمل عندما يعتمد الجنين جزئيا أو كلياً على مخزون هرمونات الأم. لذا فإن انخفاض مستويات هذه الهرمونات يمكن أن يؤثر على مسارات نمو عصبي حساسة، ما يفسّر الارتباط الملاحظ بين قصور الغدة الدرقية المطوّل وزيادة مخاطر اضطرابات طيف التوحد.
وتعود آلية عمل الغدة الدرقية إلى إفرازها هرمونين رئيسيين هما “T3” و“T4”، اللذان ينظمان معدل الاستقلاب في الجسم، أي المعدل الذي تعمل به الخلايا لأداء وظائفها الأساسية. والغدة الدرقية صغيرة على شكل فراشة وتقع في منتصف الجزء السفلي من العنق، بينما تقوم الغدة النخامية في قاعدة المخ بضبط كمية إفراز هرمونات الغدة الدرقية عبر هرمون TSH. فعندما تكتشف الغدة النخامية نقصاً أو زيادةً في مستويات الهرمونات الدرقية، تُعدّل إفرازها من TSH لإعطاء إشارة للغدة الدرقية بزيادة أو تقليل الإنتاج.

توصية الباحثين: مراقبة روتينية وتعديل دوائي في الوقت المناسب
اختتم الباحثون بأن النتائج تؤكد ضرورة إجراء مراقبة روتينية لمستويات هرمونات الغدة الدرقية لدى النساء قبل الحمل وخلاله، وأن تعديل الجرعات الدوائية في الوقت المناسب أمر حاسم للحفاظ على مستويات هرمونية طبيعية طيلة فترة الحمل. كما شددوا على أن معالجة الخلل المزمن قبل الحمل أو السيطرة عليه أثناءه تقِلل من احتمالات تشخيص الطفل باضطراب طيف التوحد، بينما إن استمر الاختلال في عدة مراحل من الحمل فقد يزيد من هذه الاحتمالات.
توصيات عملية لتفادي خطر الإصابة
التشخيص والمتابعة قبل الحمل: من المهم فحص وظيفة الغدة الدرقية لدى النساء اللواتي يخططن للحمل أو لديهن تاريخ من اضطراب الغدة الدرقية.
المتابعة الدورية أثناء الحمل: مراقبة مستويات T3، T4، وTSH بشكل دوري لضمان أن تكون ضمن النطاق الطبيعي طوال الحمل، مع اهتمام خاص بالشهور الأولى.
تعديل العلاج عند الحاجة: تغيير جرعات الأدوية الدوائية أو البدء بالعلاج إذا لزم الأمر، لأن التحكم الجيد قد يقلل المخاطر المحتملة على نمو دماغ الجنين.
الانتباه لقصور الغدة الدرقية المطوّل: نظراً لارتباطه الأقوى بزيادة خطر التوحد، يجب إعطاء أولوية خاصة للنساء المصابات بقصور الغدة الدرقية وإدارتهم بعناية طبية مُحكمة.
تبقى هذه النتائج دعوة لتعزيز الوعي بين مقدمي الرعاية الصحية والنساء في سن الإنجاب عن أهمية فحص ومتابعة صحة الغدة الدرقية، حفاظا على صحة الجنين وتقليل المخاطر المحتملة المتعلقة بتطوّر اضطرابات طيف التوحد.









