مستجدات

الإعلام بين الرسالة والابتذال: صعود صحافة التفاهة

الإعلام بين الرسالة والابتذال: صعود صحافة التفاهة

صحافة اللاحدث: عندما تبتلع التفاهة القضايا الحقيقية

هاشــم الخياطــي

في زمن الثورة الرقمية، أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي فضاءً مفتوحاً لتبادل الأخبار والآراء والمعلومات بشكل غير مسبوق. غير أن هذا الانفتاح الواسع رافقته ظاهرة مقلقة تُعرف بـ”صحافة التفاهة”، حيث تحل الإثارة السطحية والبحث عن التفاعل السريع محل العمل الصحفي الرصين القائم على التحقق والتحليل.

لقد غيّرت خوارزميات المنصات الرقمية قواعد اللعبة الإعلامية، إذ أصبح معيار الانتشار مرتبطاً بعدد المشاهدات والإعجابات أكثر من ارتباطه بقيمة المعلومة أو أهميتها. وفي هذا السياق، اندفع عدد من صناع المحتوى وبعض المنابر غير المهنية إلى التركيز على مواضيع تافهة أو مثيرة للجدل فقط لجذب الانتباه، حتى لو كان ذلك على حساب المصداقية والعمق.

وتتمثل مظاهر صحافة اللاحدث ، التفاهة في عناوين صادمة ومضللة، وتضخيم أحداث هامشية، وتحويل حياة الأشخاص الخاصة إلى مادة للاستهلاك الجماهيري. كما يتم تداول الأخبار دون تحقق كافٍ، ما يساهم في انتشار الإشاعات والمعلومات المغلوطة بسرعة كبيرة تفوق أحياناً سرعة تصحيحها.

الأخطر من ذلك أن هذا النوع من المحتوى المبتذل  يساهم تدريجياً في إضعاف الذائقة الإعلامية لدى الجمهور، إذ يصبح المتلقي معتاداً على الأخبار الخفيفة والسريعة، فيتراجع الاهتمام بالقضايا الجادة المرتبطة بالاقتصاد والسياسة والتنمية. وهنا تتحول وسائل التواصل من منصة للمعرفة والتنوير إلى فضاء للضجيج الإعلامي.

غير أن المسؤولية لا تقع على صناع المحتوى وحدهم، بل يتحمل الجمهور بدوره جزءاً من هذه الظاهرة، لأن الطلب على المحتوى السطحي يشجع على إنتاج المزيد منه. فكلما ارتفعت نسب التفاعل مع الأخبار التافهة، ازدادت المنصات تشجيعاً لهذا النوع من المحتوى على حساب الصحافة المهنية.

في المقابل، يبقى الرهان الحقيقي هو تعزيز ثقافة إعلامية نقدية لدى الجمهور، وتشجيع المؤسسات الصحفية الجادة على مواكبة التحول الرقمي دون التفريط في أخلاقيات المهنة. فالتكنولوجيا بحد ذاتها ليست المشكلة، بل الطريقة التي تُستعمل بها.

إن معركة الإعلام اليوم ليست فقط معركة سرعة في نقل الخبر، بل معركة جودة ومصداقية أيضاً. وبين صحافة المعلومة وصحافة التفاهة، يبقى وعي المتلقي هو الحكم الأخير في تحديد أيهما سيقود الفضاء الرقمي في المستقبل.

 

الاخبار العاجلة