هاشــم الخياطــي
يشهد العالم اليوم تحولات عميقة في منظومة القيم الأسرية، تقف وراءها ثورة رقمية غيرت أنماط التواصل وطرق تلقي المعلومة، وجعلت الإعلام—بمختلف أشكاله التقليدية والرقمية—فاعلًا رئيسيًا في إعادة تشكيل الوعي الجمعي داخل الأسرة. فبين شاشة التلفاز، ومنصات التواصل الاجتماعي، وتطبيقات الهواتف الذكية، لم يعد الإعلام مجرد ناقل للأخبار، بل أصبح قوة مؤثرة في السلوكيات والتصورات والعلاقات داخل البيت الواحد.
لقد أسهم الإعلام الرقمي في تقليص المسافات بين الأفراد، وفتح آفاقًا واسعة للتعلم والانفتاح الثقافي، كما أتاح للأسرة فرصًا غير مسبوقة للاطلاع والمعرفة. غير أن هذا الانفتاح حمل معه تحديات حقيقية، أبرزها تراجع التواصل الأسري المباشر، وتنامي النزعة الفردانية، وتغير أدوار الآباء والأمهات في ظل منافسة محتوى رقمي جاذب وسريع التأثير، غالبًا ما يتجاوز سلطة التوجيه التقليدي.
وفي هذا السياق، أصبحت القيم الأسرية—مثل الاحترام المتبادل، والحوار، والتماسك العائلي—عرضة لإعادة تعريف مستمرة. فالمضامين الإعلامية، خاصة على منصات التواصل، تروّج أحيانًا لنماذج سلوكية وثقافية لا تنسجم مع الخصوصيات المجتمعية، ما يخلق فجوة قيمية بين الأجيال، ويضع الأسرة أمام اختبار صعب في الحفاظ على هويتها المرجعية.
كما لعبت الخوارزميات دورًا خفيًا لكنه بالغ التأثير، إذ تُغذّي المستخدمين بمحتوى مُفصّل على مقاس اهتماماتهم، ما يعزز “فقاعات” معرفية قد تُضعف النقاش داخل الأسرة، وتُعمّق الاختلافات بدل تقريب وجهات النظر. ومع انتشار الأخبار الزائفة وخطاب الكراهية، تزداد الحاجة إلى تنمية التفكير النقدي داخل البيت، حتى لا تتحول الأسرة إلى مستهلك سلبي للمحتوى.
أمام هذه التحولات، تبرز مسؤولية مشتركة بين الأسرة والمؤسسات الإعلامية وصناع المحتوى. فالأسرة مطالَبة بتعزيز التربية الإعلامية، وترسيخ قيم الحوار والمرافقة الرقمية، بدل المنع أو الوصاية. كما أن الإعلام مدعوّ إلى الالتزام بأخلاقيات المهنة، وتقديم محتوى يوازن بين حرية التعبير واحترام القيم المجتمعية، ويسهم في بناء وعي مسؤول.
خلاصة القول، إن الإعلام في العصر الرقمي ليس خصمًا للقيم الأسرية ولا حليفًا مطلقًا لها، بل أداة مؤثرة تتحدد آثارها بكيفية الاستخدام وجودة المحتوى. وبين التحدي والفرصة، يبقى الرهان على أسرة واعية وإعلام مسؤول، قادرين معًا على تحويل التحول الرقمي إلى رافعة لتعزيز القيم، لا سببًا لتآكلها.









