وترحل أحد أصعب الملفات إلى الحكومة المقبلة
مرة أخرى، يغادر أحد أكبر الملفات الاجتماعية طاولة الحكومة دون حسم، بعدما أقرت السلطة التنفيذية بأن إصلاح أنظمة التقاعد لن يرى النور خلال ولايتها الحالية، ليُرحّل إلى الحكومة المقبلة في مشهد يعكس حجم التعقيدات السياسية والاجتماعية التي تحاصر هذا الورش منذ سنوات.
إعلان وزيرة الاقتصاد والمالية نادية فتاح العلوي، أمام مجلس المستشارين، بأن الحكومة لن تتمكن من استكمال إصلاح التقاعد قبل نهاية ولايتها، لم يكن مجرد إقرار بتأجيل ورش تقني، بل اعتراف ضمني بفشل مختلف جولات الحوار في الوصول إلى توافق يوازن بين ضرورات الإصلاح المالي ومتطلبات السلم الاجتماعي.
فالحديث عن إصلاح التقاعد لم يعد مرتبطاً فقط بالأرقام والعجز الاكتواري الذي يهدد بعض الصناديق، بل تحول إلى اختبار حقيقي لقدرة الحكومات المتعاقبة على اتخاذ قرارات صعبة دون المساس بالحقوق الاجتماعية للمواطنين. وكلما اقترب موعد الحسم، عاد الملف إلى نقطة الصفر، بفعل تضارب المصالح وتباعد مواقف الحكومة والمركزيات النقابية.
وتدرك الحكومة أن أي إصلاح يمس سن الإحالة على التقاعد أو قيمة المساهمات أو طريقة احتساب المعاشات ستكون له كلفة سياسية واجتماعية مرتفعة، خصوصاً في ظرفية تتسم بارتفاع تكاليف المعيشة وتزايد الضغوط الاقتصادية على الأسر. لذلك بدا خيار التأجيل أقل كلفة سياسياً من تحمل مسؤولية قرارات قد تثير احتجاجات واسعة أو تعمق التوتر مع الشركاء الاجتماعيين.
غير أن ترحيل الملف لا يعني أن الأزمة تم تأجيلها فقط، بل قد يجعلها أكثر تعقيداً في المستقبل. فكل سنة تمر دون إصلاح ترفع من حجم الاختلالات المالية، وتقلص هامش المناورة أمام الحكومة المقبلة، التي قد تجد نفسها مضطرة إلى اتخاذ إجراءات أكثر صرامة مما هو مطروح اليوم.
كما يطرح هذا التأجيل سؤالاً جوهرياً حول جدوى سنوات الحوار التي شهدتها الولاية الحالية. فإذا كانت اللجان التقنية قد عقدت اجتماعات متتالية، والنقاشات استمرت بين مختلف المتدخلين، فلماذا انتهى المسار دون نتائج عملية؟ وهل كان الخلاف تقنياً بالفعل، أم أن الحسابات السياسية والانتخابية فرضت تأجيل اتخاذ القرار إلى ما بعد انتهاء الولاية الحكومية؟
وفي المقابل، لا تخفي المركزيات النقابية رفضها لأي إصلاح يقوم على تحميل الأجراء والمتقاعدين كلفة اختلالات تراكمت عبر عقود، مطالبة بإصلاح شامل يضمن العدالة بين مختلف الأنظمة، ويبحث عن مصادر تمويل جديدة، ويحمّل الدولة وأرباب العمل جزءاً من المسؤولية، بدل الاكتفاء بالحلول التي تمس القدرة الشرائية للمنخرطين.
إن إصلاح التقاعد لم يعد يحتمل مزيداً من التأجيل، لكنه في الوقت نفسه لا يمكن أن يتحول إلى عملية محاسبية هدفها سد العجز المالي على حساب الحقوق الاجتماعية. فالتحدي الحقيقي يكمن في بناء نموذج إصلاحي يحقق الاستدامة المالية دون التضحية بمبدأ العدالة الاجتماعية، وهو ما يتطلب شجاعة سياسية، ورؤية بعيدة المدى، وحواراً مسؤولاً يتجاوز منطق كسب الوقت.
وبترحيل هذا الورش إلى الحكومة المقبلة، تكون السلطة التنفيذية قد اختارت تأجيل مواجهة واحدة من أكثر القضايا حساسية في المغرب. غير أن الملفات المؤجلة لا تختفي، بل تتضخم مع مرور الوقت، وقد تجد الحكومة القادمة نفسها أمام “قنبلة اجتماعية” أكثر تعقيداً وأعلى كلفة، في وقت ستكون فيه خيارات الإصلاح أضيق، وثمن التأخير أكبر من أي وقت مضى.








