مستجدات

الحوار الاجتماعي حول إصلاح التقاعد يعود إلى الواجهة دون أرضية واضحة

[TOUTES LES ACTUALITÉS]18 يوليو 2025
الحوار الاجتماعي حول إصلاح التقاعد يعود إلى الواجهة دون أرضية واضحة

بناءً على دعوة رسمية سبق أن وجهها رئيس الحكومة، عزيز أخنوش، إلى المركزيات النقابية الأكثر تمثيلية، انطلقت أمس الخميس أولى جلسات الحوار الاجتماعي المخصصة لملف طال انتظاره ويتسم بحساسيته الاجتماعية والاقتصادية، ألا وهو إصلاح منظومة التقاعد بالمغرب.

الاجتماع، الذي عُقد في أجواء حذرة، جاء استجابة للدعوة المبرمجة ليوم 17 يوليوز الجاري، غير أنه، وفق مصادر نقابية ، افتقر إلى المقومات الأساسية لفتح نقاش جاد وفعال، على رأسها غياب أرضية واضحة من طرف الحكومة توضح تصوراتها أو مقترحاتها بشأن إصلاح صناديق التقاعد.

النقابات المشاركة، التي حضرت بدعوة رسمية، عبّرت عن امتعاضها من هذا الفراغ الذي اعتبرته “إشارة سلبية” من الحكومة حول مدى جديتها في تدبير هذا الورش الحاسم. وقالت مصادر نقابية إن الحكومة اختارت “فتح الأبواب دون مفاتيح”، إذ لم تُقدم أي تصور أولي أو حتى خطوط عريضة يمكن البناء عليها لاستئناف النقاش، وهو ما اعتُبر تراجعاً عن التقدم الذي تم إحرازه في السنوات الماضية.

ورغم هذا النقص في المعطيات، تمسكت المركزيات النقابية بموقفها الداعي إلى الانطلاق من مخرجات لجنة إصلاح التقاعد التي عقدت عدة اجتماعات سابقة في السنوات الماضية، وبلورت توصيات لا تزال، حسب النقابات، صالحة كأساس متين لإعادة إحياء النقاش. وترفض النقابات أي توجه حكومي يسعى للعودة إلى نقطة الصفر، معتبرة ذلك تبديداً للجهد المؤسساتي واستهتاراً بالزمن الاجتماعي والسياسي الذي تفرضه الأزمة البنيوية التي تعيشها صناديق التقاعد.

وفي ظل هذا التباين بين الطرفين، يبقى مصير هذا الحوار رهيناً بمدى استعداد الحكومة لتقديم أرضية واضحة تؤطر النقاش، وتعكس إرادة سياسية فعلية للإصلاح في إطار التوافق والشراكة مع الفرقاء الاجتماعيين.

وتجدر الإشارة إلى أن إصلاح أنظمة التقاعد يشكل إحدى أولويات الإصلاحات الهيكلية في المغرب، في ظل التحذيرات المتكررة من تآكل احتياطيات الصناديق، وتضخم العجز المالي، مما يهدد ديمومة المعاشات في المستقبل القريب إذا لم يتم التوصل إلى حلول جذرية وعادلة لجميع الأطراف.

ويبقى السؤال المطروح: هل ستنجح الحكومة والنقابات في تجاوز الخلافات المنهجية والعودة إلى طاولة الحوار بإرادة مشتركة، أم أن هذا الملف سيظل رهينة التجاذبات والتأجيل المستمر؟

في ظل غياب مقترحات ملموسة من الجانب الحكومي، سارعت النقابات إلى التأكيد على أن كل محاولة لإفراغ المسار السابق من مضمونه، أو تجاوزه دون تقييم موضوعي وتراكمي لما تحقق، يُعد انتكاسة في مسار إصلاح التقاعد. وشددت على أن الحوار الجاد لا يمكن أن يُبنى على بياض، بل يفترض وضوحاً في الرؤية، والتزاماً بأرضية تشاركية تُراعي مصالح الشغيلة وحقوق الأجيال المقبلة.

النقابات، التي كانت في وقت سابق قد وافقت على الانخراط في إصلاح منصف ومستدام لأنظمة التقاعد، ترى أن عودة الحكومة إلى المربع الأول تعني فقدان الثقة في النوايا الرسمية، خاصة وأن الورش ظل لسنوات حبيس الرفوف بسبب الخلافات السياسية والتقنية حول سبل تمويل العجز المزمن، وتوحيد الأنظمة، وضمان التوازن بين الاستدامة المالية والعدالة الاجتماعية.

وتأتي هذه الجولة الجديدة من الحوار في وقت بلغت فيه الأزمة التي تعاني منها صناديق التقاعد مستوى مقلقاً، إذ تشير تقارير رسمية إلى قرب نضوب احتياطات بعض الصناديق، في حال استمرار الوضع الحالي دون تدخل عاجل. كما أن التركيبة الديمغرافية والاجتماعية في المغرب، والتي تعرف تحولات متسارعة، تزيد من تعقيد المشهد وتُصعّب من فرص إيجاد حلول بسيطة أو قصيرة المدى.

ولهذا، ترى العديد من الجهات أن التأخر في بلورة إصلاح شمولي قد تكون له تبعات اقتصادية واجتماعية وخيمة، ليس فقط على الموظفين والمتقاعدين، بل أيضاً على المالية العمومية وتوازنات السوق الشغلية.

في خضم هذا الواقع المأزوم، تتزايد الدعوات إلى وضع ميثاق اجتماعي جديد، تتوافق فيه الدولة والنقابات وأرباب العمل على رؤية إصلاحية متكاملة لمنظومة التقاعد، تأخذ بعين الاعتبار تعدد الأنظمة واختلالاتها، وتؤسس لنظام موحد ومنصف يتسم بالشفافية والفعالية.

ويرى متتبعون أن إنجاح هذا الورش يتطلب شجاعة سياسية، وإرادة قوية للقطع مع المنهجيات السابقة التي اكتفت بتدبير الأزمة مرحلياً، دون معالجة الأسباب البنيوية التي أوصلت صناديق التقاعد إلى هذا الوضع الهش.

إن جلسة 17 يوليوز كانت، بالنسبة للنقابات، أكثر من مجرد موعد للحوار؛ وكانت اختباراً لمدى صدقية الحكومة في احترام التزاماتها السابقة، ولقرارها السياسي في التفاعل مع أحد أعقد ملفات الإصلاح. لكن غياب أرضية واضحة للحوار أعاد طرح التساؤلات القديمة حول منهجية الاشتغال الحكومية ومدى استعدادها الحقيقي لتقاسم المسؤولية والقرار مع شركائها الاجتماعيين.

وفي انتظار ما ستسفر عنه الجولات المقبلة، يظل الأمل معقوداً على تغليب منطق التوافق وتقديم المصلحة العليا للوطن فوق كل اعتبارات سياسية أو حسابات ضيقة، لأن مستقبل التقاعد في المغرب لا يمكن أن يُبنى على التأجيل أو التجريب، بل على الوضوح، الجرأة، والتشارك الحقيقي.

ويبقى السؤال المطروح: هل ستنجح الحكومة والنقابات في تجاوز الخلافات المنهجية والعودة إلى طاولة الحوار بإرادة مشتركة، أم أن هذا الملف سيظل رهينة التجاذبات والتأجيل المستمر؟

 

الاخبار العاجلة