مستجدات

الزّمن الذي يمشي خلفنا

طاقم ALLNEWS13 نوفمبر 2025
الزّمن الذي يمشي خلفنا

الأستاذ زهير أصدور- مسافر في اللاّمكان

يبدو أننا لا نسير في الزمن، بل الزمن هو من يعبر فينا. نحن مجرد معابر لتيارٍ لا يلتفت، تيارٌ يحملنا كما يحمل الريح رماد نارٍ انطفأت، ويتركنا نعتقد أننا من نتحرك. كل لحظةٍ نعيشها تُولد من رحم التي قبلها وتموت لحظةَ ولادتها، كأن الوجود نفسه يتنفس موتاً متواصلاً.

حين نتأمل، ندرك أننا لا نعيش “الآن” أبداً. فالآن الذي نحسه يكون قد عبر قبل أن نلمسه، مثل نجمٍ تراه وقد مات منذ آلاف السنين. نحن لا نعيش الحاضر، بل صدى الحاضر، ظلاً له في مرآةٍ متأخرة. ولهذا، ربما لم نغادر زمننا… بل هو الذي غادرنا، وتركنا نحاول اللحاق بخطواته الضائعة.

من يسير خلف الزمن يشعر أن كل ما حوله يتحلل ببطء: الوجوه، الأفكار، المدن، وحتى الذكريات. ليس لأن الأشياء تفنى، بل لأنها تتبدّل سرعتها في الرحيل. الزمن لا يقيس المسافة بين الأحداث، بل بين الوعي بها. خمس دقائق في الألم عمر، وخمس سنوات في الغفلة رمشة عين.

أما أولئك الذين سبقونا، فلا يفصلنا عنهم موتهم، بل اختلاف الإيقاع. هم لم يرحلوا في خطٍّ مستقيم، بل في مدارٍ آخر من الحركة. الزمن لا يجري أفقيًّا كما نتوهم، بل يدور في كل الاتجاهات، يصعد ويهبط، يتمدد وينكمش، ونحن نقطةٌ صغيرة في دوّامته، نتصور أننا نتحكم فيه لأننا نُسميه “التاريخ”.

السفر في هذا الوجود ليس بالقدمين ولا بالآلة، بل بالوعي. من يرتفع وعيه يسافر عموديًا، ومن ينغمس في المادة يمشي أفقيًا، ومن يتسع قلبه يرحل في كل الاتجاهات دفعةً واحدة. الرحيل ليس انفصالاً، بل انصهار. لا أحد يذهب حقًا، بل يتحوّل من شكلٍ إلى آخر من الوجود. كما تتحول القطرة إلى سحاب، والسحاب إلى مطر، والمطر إلى نهر يعود إلى البحر الذي لم يفارقه يومًا.

وأما الوجهة، فلا أحد يعرفها على يقين. لا المتدينون الذين رسموا خرائط للآخرة بلغة الطمأنينة، ولا العلماء الذين حاولوا قياس ما لا يُقاس. ربما الوجهة ليست مكانًا نذهب إليه، بل لحظة نصل فيها إلى أنفسنا. لحظة نكتشف فيها أننا كنّا منذ الأزل هناك، في قلب الحركة التي نظنها طريقًا.

في النهاية، لسنا مسافرين في الزمن، بل الزمن هو المسافر فينا. نحن لحظة وعيٍ في رحلته الطويلة نحو اللامكان. وكل ما نفعله، منذ ولادتنا حتى أفولنا، هو محاولة بائسة للقبض على ظلّه قبل أن يتلاشى…

لكن لا أحد يمسك بالظل، لأنّ الظلّ هو نحن، حين نعبر دون أن نعلم أننا نعبر

الاخبار العاجلة