مدينة تبحث عن إدارة تعيد إليها كرامتها
لم تعد معاناة سكان القنيطرة مرتبطة بمشكل واحد أو ملف عابر، بل باتت تتجسد في سلسلة من الاختلالات اليومية التي تطال النظافة والطرق والفضاءات العمومية، إلى جانب ظواهر اجتماعية وإنسانية أخرى، في مشهد يثير تساؤلات متزايدة حول حصيلة التدبير المحلي وأولويات المجلس المنتخب، وحول قدرة المدينة على مواكبة تطلعات سكانها ومكانتها كعاصمة لجهة الغرب.
وتأتي الأزبال في مقدمة الملفات التي تستوقف سكان عدد من الأحياء، حيث تتراكم النفايات في بعض الأزقة والنقط السوداء، مصحوبة أحيانا بروائح كريهة وانتشار الحشرات، خصوصا خلال فترات ارتفاع درجات الحرارة. وبالنسبة للمواطنين، فإن النظافة ليست امتيازا أو خدمة ثانوية، وإنما من أبسط مقومات العيش الكريم وحق أساسي يفترض أن يكون في صلب أي تدبير حضري.

ولا تقل وضعية الطرق والشوارع إثارة للقلق، بعدما تحولت الحفر المنتشرة في عدد من المحاور إلى معاناة يومية للسائقين والراجلين. فإلى جانب الأضرار التي تلحق بالمركبات، تطرح هذه الوضعية أسئلة حول الصيانة الدورية وجودة الأشغال وتتبعها، وعن مدى فعالية البرامج التي يتم الإعلان عنها لإعادة تأهيل البنية التحتية الحضرية.
وفي عدد من الأحياء والساحات، يبرز ملف الكلاب والقطط الضالة باعتباره من القضايا التي تستوجب معالجة عملية ومستدامة. فانتشار الحيوانات في الفضاءات العمومية يثير مخاوف لدى الأسر، خصوصا بالنسبة للأطفال وكبار السن، ويطرح في الوقت نفسه تحديات مرتبطة بالصحة والسلامة العامة. ويبقى المطلوب مقاربة مؤسساتية تحمي السكان وتحترم القوانين والمعايير المتعلقة بالرفق بالحيوان، بعيدا عن الحلول الظرفية.
أما ظاهرة الأشخاص الذين يعيشون في الشوارع ويعانون أوضاعا نفسية واجتماعية صعبة، فتتجاوز في طبيعتها اختصاص الجماعة وحدها. فالكثير من هؤلاء يحتاجون إلى الرعاية الصحية والاجتماعية والإيواء وإعادة الإدماج، وليس إلى الاكتفاء بإبعادهم عن الأنظار. كما أن معالجة هذه الظاهرة تتطلب تنسيقا بين السلطات المحلية والقطاعات الصحية والاجتماعية والمجتمع المدني.

وتبرز في المشهد أيضا ظاهرة أطفال الشوارع، بما تحمله من دلالات اجتماعية مقلقة. فوجود أطفال في الفضاءات العامة بعيدا عن الأسرة والمدرسة يعكس هشاشة تحتاج إلى تدخل عاجل ومتعدد القطاعات، يضع حماية الطفولة وإعادة الإدماج الاجتماعي في مقدمة الأولويات.
هذه الملفات، وإن اختلفت طبيعتها، تلتقي عند نقطة واحدة: الحاجة إلى تدبير حضري يقوم على التخطيط والاستباق والتتبع، لا على التدخل فقط بعد تحول المشاكل إلى أزمات. فمدينة بحجم القنيطرة تحتاج إلى رؤية واضحة للنظافة والطرق والفضاءات العامة، وإلى آليات فعالة لتلقي شكاوى المواطنين ومعالجتها، مع نشر معطيات واضحة حول المشاريع والآجال والنتائج.
والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم لا يتعلق فقط بوجود الاختلالات، وإنما أيضا بمدى قدرة المؤسسات المنتخبة والمتدخلين في الشأن المحلي على تحويل المطالب اليومية للسكان إلى برامج ملموسة يمكن قياس نتائجها ومساءلة المسؤولين عنها.
فالقنيطرة ليست مدينة هامشية؛ فهي مركز حضري واقتصادي مهم، وتتوفر على مؤهلات صناعية وجامعية وموقع استراتيجي يجعلها إحدى أبرز مدن جهة الرباط-سلا-القنيطرة. ومن الطبيعي أن ينتظر سكانها خدمات عمومية تتناسب مع حجم المدينة ودورها، وأن يطالبوا بشوارع نظيفة، وطرق سليمة، وفضاءات عمومية آمنة، وتدبير اجتماعي يحفظ كرامة الفئات الهشة.
وتزداد الحاجة إلى معالجة هذه الملفات في ظل استعداد المغرب لاحتضان تظاهرات رياضية دولية كبرى، وما يعنيه ذلك من ارتفاع محتمل في حركة الزوار والسياح والمشجعين القادمين من مختلف دول العالم. وفي هذا السياق، فإن المدن المغربية مطالبة بأن تكون في مستوى الصورة التي يسعى المغرب إلى تقديمها أمام العالم، والقنيطرة، بحكم موقعها وقربها من محور الرباط والواجهة الأطلسية، ليست خارج هذا الرهان.
فالمطلوب ليس تجميل الواجهات مؤقتا أو معالجة بعض النقط قبيل المناسبات، وإنما بناء تدبير حضري مستدام يجعل النظافة والصيانة والسلامة والرعاية الاجتماعية جزءا من العمل اليومي للمؤسسات.
القنيطرة اليوم لا تحتاج إلى مزيد من الوعود بقدر ما تحتاج إلى نتائج يلمسها المواطن في الشارع: حاوية نظيفة، طريق بلا حفر، فضاء عمومي منظم، معالجة مسؤولة لظاهرة الحيوانات الضالة، ورعاية حقيقية لمن يعيشون في وضعية هشاشة.
إن إعادة الاعتبار إلى عاصمة الغرب تبدأ من التفاصيل التي يراها المواطن كل صباح، ومن قدرة الإدارة والمؤسسات المنتخبة على تحويل كرامة السكان من شعار إلى ممارسة يومية.








