البرلمان يشدد الخناق.. تفتيش وحجز وأوامر قضائية عاجلة لمواجهة الاستغلال غير المشروع للمحتوى
لم تعد القرصنة في المغرب مجرد نسخ غير قانوني لكتاب أو شريط أو عمل فني، ولم يعد الإنترنت فضاءً مفتوحاً لمن يريد الاستيلاء على إبداع الآخرين وتداوله وتحقيق الأرباح منه دون إذن. فالمشرّع المغربي قرر رفع سقف المواجهة، ووضع قواعد جديدة تستهدف واحدة من أكثر الظواهر التي استفحلت مع الثورة الرقمية: سرقة المحتوى والإبداع عبر الإنترنت.
وصادق البرلمان بمجلسيه على القانون رقم 013.26 القاضي بتغيير وتتميم القانون رقم 2.00 المتعلق بحقوق المؤلف والحقوق المجاورة، قبل نشره في الجريدة الرسمية بتاريخ 10 غشت الجاري، في خطوة تشريعية تحمل رسالة واضحة إلى مستغلي المصنفات دون ترخيص: العالم الرقمي لم يعد منطقة رمادية خارج القانون.
القانون الجديد جاء في وقت أصبحت فيه الأعمال الفنية والأدبية والسمعية والبصرية تنتقل خلال ثوانٍ عبر المنصات والمواقع والتطبيقات، بينما يجد أصحابها أنفسهم في مواجهة عمليات نسخ وإعادة نشر وبث واستغلال تجاري قد تتم دون موافقتهم ودون حصولهم على أي مقابل.
ولهذا السبب، أعاد النص ترتيب عدد من المفاهيم القانونية بما يتلاءم مع العصر الرقمي، ووسّع تعريفات البث الإذاعي والتلفزي والنقل إلى الجمهور، لتشمل بشكل صريح الاستغلال بواسطة الإنترنت والأقمار الاصطناعية والوسائل الرقمية.
لكن الأخطر في التعديل يتمثل في تشديد التعاطي مع ما يسمى “القرصنة”، حيث أصبح الاستغلال غير المرخص لمصنف أو أداء أو تسجيل صوتي أو سمعي بصري عبر وسيلة رقمية أو إلكترونية داخلاً بوضوح ضمن الأفعال التي تستهدفها الحماية القانونية.
بمعنى آخر، فإن إعادة بث محتوى أو استغلاله تجارياً دون الحصول على الترخيص اللازم لم تعد مسألة يمكن التعامل معها باعتبارها مخالفة بسيطة أو منطقة قانونية غامضة، بل أصبحت جزءاً من منظومة قانونية أكثر صرامة تستهدف حماية حقوق أصحاب المصنفات.
والقانون لا يكتفي بالتحذير، بل يفتح الباب أمام آليات مراقبة وتدخل أكثر قوة. فقد منح الأعوان المؤهلين صلاحيات تشمل ولوج المحلات وتفتيش نظم المعلومات ووسائل النقل والاطلاع على السجلات وحجز المعدات والوسائل المرتبطة بالمخالفات، وفق الشروط والضوابط التي يحددها القانون.
وهنا تنتقل المعركة من مجرد نصوص قانونية إلى إمكانية مواجهة ميدانية لمن يستغلون الأعمال المحمية دون سند قانوني.
أما القضاء، فقد أصبح أمام أدوات أكثر سرعة في التعامل مع الاعتداءات على حقوق المؤلف والحقوق المجاورة، إذ يتيح القانون للمحاكم إصدار أوامر عاجلة لوقف الخروقات، بما في ذلك توجيهها إلى الجهات المتسببة في الاستغلال غير المشروع أو إلى الجهات التي تتوفر تقنياً على القدرة على وقف النقل الرقمي المخالف.
إنها، عملياً، محاولة لوضع حد للمنطق الذي كان يسمح بأن ينتشر المحتوى المسروق على الإنترنت في دقائق، بينما يحتاج صاحبه إلى وقت طويل لملاحقة مصدره وإيقافه.
وفي قلب هذه المعركة يوجد أيضاً الجانب المالي، لأن حماية حقوق المؤلف لا تعني فقط منع القرصنة، وإنما ضمان استفادة أصحاب الإبداع من العائدات التي يولدها إنتاجهم.
ولهذا أقر القانون نسباً لتوزيع العائدات بين مختلف المتدخلين في السلسلة الإبداعية، بما يهدف إلى تحقيق قدر أكبر من الشفافية والإنصاف. وتشمل النسب المشار إليها 35 في المائة لفناني الأداء وناشري الكتب والصحف، و10 في المائة للمنتجين.
وبذلك يحاول القانون إعادة الاعتبار إلى قيمة العمل الإبداعي، في وقت أصبح فيه المحتوى الثقافي والفني والأدبي سلعة اقتصادية حقيقية، وأصبح استغلاله غير المشروع يهدد ليس فقط حقوق المبدعين، وإنما أيضاً مستقبل قطاعات كاملة مرتبطة بالإنتاج والنشر والتوزيع.
المعركة إذن لم تعد بين «قرصان» وصاحب عمل فني فقط، وإنما أصبحت مواجهة بين اقتصاد الإبداع واقتصاد القرصنة.
وإذا كان القانون قد وضع الأسلحة القانونية على الطاولة، فإن الاختبار الحقيقي يبدأ الآن: هل ستتحول هذه المقتضيات إلى مراقبة فعلية وردع سريع؟ وهل سيتمكن أصحاب الحقوق من حماية أعمالهم في فضاء رقمي سريع التطور؟ وهل ستنجح المؤسسات المكلفة بالتنفيذ في ملاحقة القرصنة بنفس السرعة التي تنتشر بها؟
أسئلة كثيرة ستجيب عنها المرحلة المقبلة، لكن الرسالة التشريعية باتت أكثر وضوحاً من أي وقت مضى:
المحتوى ليس مشاعاً.. والإبداع ليس غنيمة مجانية.. والإنترنت لم يعد ملاذاً آمناً لمن يستغل أعمال الآخرين دون ترخيص.










