مستجدات

تونس ترفع سقف المواجهة مع تبون: لا وصاية جزائرية على القرار التونسي

[TOUTES LES ACTUALITÉS]10 أغسطس 2026
تونس ترفع سقف المواجهة مع تبون: لا وصاية جزائرية على القرار التونسي

لم تعد الانتقادات الموجهة إلى الجزائر من داخل تونس مجرد أصوات متفرقة أو مواقف معزولة، بل بدأت تتحول إلى مواجهة سياسية وإعلامية مفتوحة حول حدود العلاقة بين البلدين، بعدما وجهت نخبة من الوزراء السابقين ورجال القانون والحقوقيين والإعلاميين رسالة مفتوحة إلى الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، في خطوة حملت رسائل سياسية شديدة الوضوح: تونس ليست ساحة نفوذ، وقرارها الوطني ليس ورقة في الحسابات الإقليمية.

الرسالة، التي وجهت يوم الأربعاء 5 غشت 2026، لم تكتف بتسجيل تحفظات دبلوماسية على مواقف الجزائر، بل وضعت مسألة السيادة التونسية في قلب النقاش، مؤكدة أن استقلال القرار الوطني وسيادة الدولة خط أحمر لا يمكن إخضاعه للمساومات أو الحسابات السياسية الظرفية.

وضمت قائمة الموقعين شخصيات تونسية وازنة،

المثير في هذه الرسالة أنها لم تهاجم فكرة العلاقات الأخوية بين الشعبين التونسي والجزائري، بل حاولت الفصل بين أخوة الشعوب وحسابات الأنظمة. وهو فصل بالغ الدلالة، لأن أصحاب المبادرة يرون أن التاريخ المشترك والنضال ضد الاستعمار لا يمكن أن يتحولا إلى مبرر لتوفير غطاء سياسي لخيارات داخلية مثيرة للجدل.

ورغم تثمين الموقعين للمواقف الجزائرية التي تؤكد أن المساس بأمن تونس هو مساس بأمن الجزائر، فإنهم وجهوا سهام النقد إلى ما وصفوه بالإشادة المتكررة من الرئيس تبون بالسلطة القائمة في تونس، معتبرين أن هذا الدعم السياسي الخارجي يمنح غطاء لنظام يقولون إنه قوض مسار الانتقال الديمقراطي وضيّق هامش الحريات العامة.

وتذهب الرسالة أبعد من ذلك عندما تستحضر ما تعتبره انتهاكات حقوقية وملاحقات قضائية طالت سياسيين ومحامين وصحفيين ورجال أعمال ونشطاء، معتبرة أن استمرار هذا الوضع لا يمكن أن يجد تبريره في ضرورات الأمن أو محاربة الإرهاب.

وهنا تبرز المفارقة السياسية التي تحاول الشخصيات الموقعة إبرازها: كيف يمكن الدفاع عن استقرار تونس عبر دعم سلطة تواجه اتهامات متواصلة بتقييد المجال السياسي والحقوقي؟

فبالنسبة إلى أصحاب الرسالة، الأمن لا يمكن أن يكون نقيضا للحرية، والاستقرار الحقيقي لا يبنى على إضعاف المؤسسات أو تقييد التعددية السياسية، وإنما على دولة القانون واستقلال القضاء والتداول السلمي على السلطة.

كما حرص الموقعون على التأكيد أنهم لا يرفضون مكافحة الإرهاب أو مواجهة التهديدات الأمنية، بل يرفضون استخدام هذه الملفات باعتبارها ذريعة لتبرير التضييق السياسي. وهي رسالة موجهة في الوقت نفسه إلى الداخل التونسي وإلى الخارج: رفض الإرهاب لا يعني قبول الوصاية، والدفاع عن أمن الدولة لا يعني التخلي عن دولة المؤسسات.

واستندت المبادرة أيضا إلى التاريخ المشترك بين تونس والجزائر، مذكّرة بأن الجزائر كانت، في مراحل تاريخية مختلفة، سندا لأصوات تونسية معارضة للاستبداد والاستعمار والظلم. ولذلك ترى أن أفضل وفاء لهذا الإرث لا يتمثل في مساندة سلطة بعينها، وإنما في دعم إرادة الشعب التونسي وخياراته السياسية.

وفي خلفية هذا التصعيد، تبرز تصريحات الرئيس الجزائري الأخيرة بشأن حماية استقرار تونس، والتي أثارت جدلا واسعا داخل الأوساط السياسية والإعلامية التونسية. فعبارات من قبيل التهديد بـ«تخريب خيمة» من يهدد استقرار تونس لم تُقرأ في تونس باعتبارها مجرد تضامن أخوي، بل اعتبرها منتقدون رسالة سياسية ثقيلة تفتح سؤالا أكبر حول حدود التدخل المقبول بين دولتين جارتين.

والواقع أن المشكلة لا تكمن في تضامن الجزائر مع تونس، فهذا أمر طبيعي بين بلدين تجمعهما حدود مشتركة وتاريخ ومصالح أمنية واقتصادية متداخلة، وإنما في الطريقة التي يمكن أن يتحول بها التضامن إلى اصطفاف سياسي مع سلطة ضد خصومها الداخليين.

فالجزائر، كما تونس، ليستا ملكا لحكومتيهما فقط، بل هما دولتان وشعبان ومؤسسات ومجتمع مدني وذاكرة تاريخية مشتركة. ومن هنا فإن تحويل العلاقة الثنائية إلى علاقة حماية أو وصاية سياسية سيكون، في نظر منتقدي الجزائر، انحرافا عن مفهوم حسن الجوار، مهما كانت المبررات المقدمة.

وتحاول المعارضة التونسية من خلال هذه الرسالة إعادة تعريف مفهوم الأمن الإقليمي نفسه، بالقول إن تونس الديمقراطية ليست خطرا على الجزائر، وإنما يمكن أن تكون شريكا أكثر استقرارا وصلابة. كما تعتبر أن بناء مغرب عربي قوي لا يمكن أن يتم عبر منطق النفوذ والهيمنة، بل عبر دول مستقلة تحترم إرادة شعوبها.

إن الرسالة الموجهة إلى تبون تكشف، قبل أي شيء آخر، أن الشارع والنخب التونسية لا يريدان أن تتحول العلاقة مع الجزائر إلى علاقة تبعية سياسية. وهي إشارة ينبغي التوقف عندها مليا، لأن العلاقات بين الدول لا تقاس فقط بحجم التعاون الأمني أو الاقتصادي، وإنما أيضا بمدى احترام سيادة كل طرف لقرار الطرف الآخر.

وبينما تتحدث الجزائر عن الأمن والاستقرار، يرد خصوم السلطة في تونس بأن الاستقرار الذي لا يحمي الحريات ولا يصون استقلال المؤسسات يبقى استقرارا هشّا. وبينما تقدم الجزائر نفسها باعتبارها حامية لتونس من المخاطر، يصر منتقدوها على أن تونس لا تحتاج إلى وصاية من أحد، وإنما إلى مؤسسات قوية ودولة قانون قادرة على حماية نفسها.

وفي نهاية المطاف، فإن الرسالة التونسية تحمل عنوانا سياسيا واضحا: الصداقة بين الشعوب لا تمنح الأنظمة حق الوصاية على بعضها البعض. وإذا كانت الجزائر تريد فعلا مغربا عربيا مستقرا وقويا، فإن احترام سيادة تونس واستقلال قرارها السياسي سيكون، قبل أي خطاب تضامني، الاختبار الحقيقي لحسن الجوار

 

الاخبار العاجلة