مستجدات

جهة فاس ـ مكناس بين بطء المقاربات وضياع البوصلة التنموية: نحو رؤية قائمة على العدالة الاجتماعية والحكامة التشاركية

طاقم ALLNEWS16 أكتوبر 2025
جهة فاس ـ مكناس بين بطء المقاربات وضياع البوصلة التنموية: نحو رؤية قائمة على العدالة الاجتماعية والحكامة التشاركية

هاشــم الخياطــي

تنطلق هذه الرؤية من خصوصية الواقع الراهن، ومن أفق المستقبل، عبر المزاوجة بين مختلف المقاربات التنموية والسياسية والاجتماعية، وكيفية تصريفها على مستوى يرسّخ قاعدة العدالة الاجتماعية بجهة فاس ـ مكناس. فالقوة الحقيقية لأي وطن لا تُقاس فقط بقدراته المادية أو الاقتصادية، بل بإيمان أبنائه به، واستعدادهم للمشاركة الفعلية في بنائه والدفاع عنه، ضمن مناخ من الحرية والمشاركة السياسية والرقابة الديمقراطية التي تمنح المؤسسات قوتها ومصداقيتها.

إن الديمقراطية ليست ترفًا سياسيا، بل المدخل الأساس لبناء وطن متماسك قادر على مواجهة التحديات، وتعبئة طاقاته وموارده في خدمة الصالح العام. غير أن واقع جهة فاس ـ مكناس يكشف أن المقاربات التنموية المتبعة ظلت بطيئة ومترددة، لا تواكب حجم الرهانات ولا تتناسب مع التحديات المطروحة: من محاربة البطالة والأمية، إلى تقليص الفوارق المجالية، وتفعيل العدالة الاجتماعية بين أقاليم الجهة التسعة.

فبين غياب القرارات الحاسمة وتشتت الرؤى، لم تستطع الجهة أن تتحول إلى قنطرة تنموية وديمقراطية قادرة على توليد مشاريع كبرى تخلق فرص شغل وتدعم الاقتصاد المحلي، في وقتٍ ظلت فيه المبادرات رهينةً للبيروقراطية والتمثيلية الشكلية بدل التمثيلية الراشدة التي تعكس الإرادة الحقيقية للمجتمع.

ويبدو أن المشهد العام الذي تطغى عليه المحافظة والتقليدانية لا يفسر وحده مظاهر الجمود والركود التي تعرفها الجهة، بل إن الإشكال يكمن أيضا في ضيق المقاربات وغياب الرؤية الاستراتيجية التي تتجاوز التدبير الكلاسيكي إلى حكامة جديدة وتشاركية فعالة.
ذلك أن السياسات التنموية، رغم ما ترفعه من شعارات حول “العدالة المجالية” و”الجهوية المتقدمة”، تظل في واقع الحال متعثرة أو متراجعة في بعض الأقاليم، ما أدى إلى تفشي البطالة والتهميش وضعف الثقة في المؤسسات، بل وأفرز نوعًا من اللامبالاة واليأس والانكفاء على الذات.

إن معالجة إشكالية الواقع الاجتماعي بالجهة لا يمكن أن تتم بمنطق المسكنات أو الخطابات المناسباتية، بل تقتضي حوارا صادقا مع النخب الجديدة، وإعادة بناء الثقة في العمل الجماعي والسياسي، وتفعيل مقاربات تنموية تُوازن بين الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والبيئية.
فالوضع يتطلب جرأة في الإصلاح ومراجعة نقدية للمقاربات التي لم تعد قادرة على مواكبة التحولات الراهنة، خصوصا في ظل تفاقم ظاهرة النزوح الجماعي نحو المدن الكبرى، وما يترتب عنها من ضغط عمراني واجتماعي واقتصادي.

ويُجمع المراقبون أن جهة فاس ـ مكناس تعاني من هشاشة في النسيج الاقتصادي وضعف في المناعة المؤسساتية، ما جعلها عرضة لهيمنة ثقافة الريع والاتكالية، في غياب نخب سياسية قادرة على تدبير الشأن المحلي بعقلانية ومسؤولية. هذا الوضع يفسر استمرار التفاوتات المجالية وتراجع القدرة التنافسية للجهة، رغم الإمكانات البشرية والمجالية التي تزخر بها.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى إعادة ترتيب الأولويات وفق جدليات جديدة وواقعية:

ــ جدلية الحكامة والتشاركية الإيجابية، عبر تجسيد مبدأ المحاسبة والشفافية في تقديم الخدمات العمومية والاستثمارية.

ــ جدلية خلق مناخ سياسي وتنموي جديد يتيح بروز نخب مؤهلة ويحدّ من البداوة السياسية وتوريث المناصب.

ــ جدلية التنمية والتشغيل والمقاربة الأمنية، عبر تغليب البعد التنموي على المقاربة الأمنية الضيقة، وإعادة تقييم مشاريع المبادرة الوطنية للتنمية البشرية على أرض الواقع.

ويبقى السؤال الجوهري:
هل ستنجح جهة فاس ـ مكناس في تجاوز أعطابها البنيوية واستعادة بوصلتها التنموية؟
أم ستظل حبيسة دوامة الوعود والخطط المؤجلة؟

الجواب رهن بقدرتنا جميعا على إرساء عدالة اجتماعية حقيقية، وحكامة راشدة تُفعّل إمكانات الجهة وتحرّر طاقاتها نحو مستقبل أكثر توازنا وإنصافا.

 

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


الاخبار العاجلة