أنهت حركة صحراويون من أجل السلام، عبر مشاركتها الرسمية في اجتماعات مجلس الأممية الاشتراكية المنعقدة في مالطا منذ يوم الجمعة، الخطاب الذي دافعت عنه جبهة البوليساريو طوال ما يقارب نصف قرن حول كونها “الممثل الوحيد للشعب الصحراوي”. فالحضور السياسي للحركة في هذا المحفل الدولي الوازن أعاد رسم مشهد جديد، يقوم على التعددية والاختلاف داخل المجتمع الصحراوي.
وأكدت الحركة أن مشاركتها في هذا اللقاء الأممي “تعكس الواقع الجديد للمجتمع الصحراوي الذي لم يعد أحادي الصوت أو خاضعاً لهيمنة فاعل واحد”، في إشارة مباشرة إلى البوليساريو، مع التشديد على أن “التعدد السياسي أصبح حقيقة راسخة لا يمكن القفز عليها”.
وبحسب بيان الحركة، فإنها اليوم “تقدّم نفسها بديلاً موثوقاً وممثلاً سياسياً يحمل رؤية واقعية وسلمية”، مشيرة إلى أنها تعمل على تعزيز التعددية والحوار داخل مجتمع ظل لسنوات طويلة محصوراً في إطار الحزب الواحد الذي فرضته جبهة البوليساريو.
وأبرزت الحركة أن وجودها داخل أكبر تجمع يساري دولي “يعكس الاعتراف المتزايد بشرعية مقاربتها القائمة على التفاوض والتعايش بين مختلف الحساسيات الصحراوية”، معتبرة أن ظهورها إلى جانب البوليساريو في المحافل الدولية “ليس مجرد حضور بروتوكولي، بل لحظة سياسية فاصلة تُنهي عملياً احتكار الصفة التمثيلية، وتقدم للعالم صورة أكثر واقعية عن مجتمع صحراوي متعدد التوجهات”.
وشددت على أن المجتمع الصحراوي اليوم “متنوع وغني بالتيارات والخيارات السياسية، ولا يمكن اختزاله في تنظيم واحد”، معتبرة أن مشاركتها في اجتماعات مالطا “خطوة مفصلية تؤكد التحول الذي يشهده الوعي السياسي الصحراوي وتعزز شرعية التعددية داخل هذا المجتمع”.
وتستضيف العاصمة المالطية فاليتا اجتماعات مجلس الأممية الاشتراكية بمشاركة وفود تمثل أكثر من 130 حزباً تقدمياً من مختلف دول العالم، إلى جانب شخصيات دولية بارزة، بينها رئيسا وزراء إسبانيا ومالطا.
ويمثل حركة صحراويون من أجل السلام في هذا الحدث كلٌّ من:
- الحاج أحمد باركلى: السكرتير الأول للحركة
- الحاجة ببيت: عضو اللجنة السياسية الدائمة
- محمد شريف: مسؤول العلاقات الخارجية
- السالك رحال: الناطق الرسمي باسم الحركة
وتأتي هذه المشاركة في سياق تطور يتقاطع مع الرؤية المغربية المبنية على الحوار والحلول الواقعية، وهو نهج لطالما دعت إليه المملكة في إطار المسار الأممي الهادف إلى إيجاد حل سياسي متوافق عليه للنزاع حول الصحراء المغربية.
وبذلك، ترسم حركة صحراويون من أجل السلام منعطفاً جديداً في المشهد السياسي الصحراوي، وتفتح الباب أمام مرحلة تتسع للتعددية، وتتجاوز منطق الصوت الواحد الذي حاولت البوليساريو تكريسه لعقود
وفي سياق التفاعل الدولي مع هذا التطور، يرى مراقبون أن حضور حركة صحراويون من أجل السلام في اجتماعات الأممية الاشتراكية لا يمثل مجرد حدث عابر، بل يعكس تحولاً في طريقة تناول المجتمع الدولي للقضية الصحراوية، حيث باتت الأصوات البديلة تحظى بفضاءات أوسع للتعبير والمشاركة، بعد سنوات من احتكار البوليساريو للمشهد الخارجي.
ويؤكد خبراء في العلاقات الدولية أن قبول الحركة كفاعل سياسي شرعي داخل محطة أممية بهذا الحجم يبعث رسالة واضحة مفادها أن المجتمع الدولي لم يعد ينظر إلى البوليساريو باعتبارها الإطار الوحيد القادر على تمثيل الصحراويين. كما أن الانفتاح على هذه المبادرات الجديدة يعكس إرادة دولية متزايدة لدعم مقاربات سلمية واقعية بعيداً عن الطرح الانفصالي المتصلب.
ويرى محللون أن خطاب الحركة الذي يقوم على الحوار والتفاوض والحلول الواقعية ينسجم بشكل كبير مع الطرح المغربي، خاصة المبادرة المغربية للحكم الذاتي التي تُعدّ—وفق قرارات مجلس الأمن—حلاً جدياً وذا مصداقية. فالحركة، في تصورها السياسي، لا تتبنى خطاب العداء أو الانغلاق، بل تقدم رؤية أقرب إلى المقاربة التي يراها المجتمع الدولي الطريق الأنسب لإنهاء النزاع.
وتواجه جبهة البوليساريو، في المقابل، تحدياً غير مسبوق بعد أن ظهر منافس سياسي من داخل المجتمع الصحراوي نفسه، يحمل خطاباً بديلاً ويكتسب اعترافاً دولياً متزايداً. هذا التطور يضع الجبهة أمام مراجعة عميقة لخطابها القائم على الاحتكار، خصوصاً مع تزايد الأصوات الصحراوية التي تطالب بتمثيل متعدد يعبّر عن واقع المجتمع.
وبينما يواصل وفد الحركة لقاءاته في مالطا، تشير المؤشرات إلى أن هذا الظهور لن يكون الأخير، بل بداية لمسار جديد يوسع دائرة المشاركة السياسية للصحراويين ويمنحهم خيارات لم تكن مطروحة في السابق. فالمشهد اليوم لم يعد محكوماً بثنائية “مع أو ضد”، وإنما بات مفتوحاً أمام مسار تعددي يعكس تنوعاً سياسياً وثقافياً ظل لسنوات حبيساً خلف الخطاب الأحادي.
وتجمع قراءات متعددة على أن ما حدث في مالطا هو محطة مفصلية في مسار قضية الصحراء، وقد يساهم في إعادة تشكيل قواعد اللعبة السياسية داخل الأقاليم الصحراوية وفي مخيمات تندوف على حد سواء، خصوصاً إذا ما استمر المجتمع الدولي في فتح فضاءات للنقاش أمام الأصوات الصحراوية المستقلة.
وبذلك، تبدو حركة صحراويون من أجل السلام قد نجحت في فرض نفسها كفاعل جديد ووازن، ليس فقط على الساحة الصحراوية، بل داخل المنتديات الدولية، مما يمهد لمرحلة تبتعد عن القطبية الصارمة وتقترب أكثر من الواقعية السياسية والتعددية.










