القنيطرة : هاشــم الخياطــي
في كل مرة نرى فيها مسؤولًا يتقاضى أجراً محدوداً، لكنه يملك فيلا فاخرة وسيارة من الطراز العالي ويقضي عطلته الصيفية في جزر بعيدة، يتبادر إلى الذهن سؤال بسيط وعميق في الوقت نفسه: من أين لك هذا؟
سؤال يبدو عادياً في المجتمعات الديمقراطية المتقدمة، لكنه في بلداننا ما يزال يُعتبر “وقاحة” أو “تطاولاً على المقامات”.
في أوروبا، لا أحد فوق المساءلة المالية. فالمسؤول هناك، مهما علا شأنه، مطالب بتبرير كل يورو يدخل إلى حسابه. بل إن المواطن العادي، إذا اقتنى بدلة يتجاوز ثمنها الألف يورو، قد يُسأل عن مصدر المال الذي مكّنه من شرائها. السيارات الفاخرة التي يُشتبه في أن ثمنها لا يتناسب مع دخل صاحبها تُصادر فوراً إلى حين إثبات العكس. هناك، الثراء ليس جريمة، ولكن الغموض في مصدره هو الجريمة بعينها.
أما عندنا، فتتحول علامات الثراء المفاجئ إلى “مؤشر نجاح” أو “ذكاء اجتماعي”، لا إلى شبهة فساد. لا أحد يسأل، ولا أحد يحقق، وكأن المال العام رزق بلا صاحب. والأسوأ من ذلك أن بعض المسؤولين يجدون من يدافع عنهم باسم “الغيرة الوطنية” أو “الإنجازات” بينما الثروة تتراكم بلا حساب، والفساد يتغذى على صمت الناس وخوفهم.
إن الدول التي تحترم نفسها لا تبني سمعتها على الخطابات، بل على منظومة مراقبة صارمة تُخضع كل مسؤول وكل موظف للمساءلة. فالمناصب في جوهرها ليست امتيازاً، بل تكليف ومسؤولية. ومن الطبيعي أن يُسأل من يتولى الشأن العام عن مصادر دخله، كما يُسأل التاجر أو المستثمر.
لقد حان الوقت ليفرض المجتمع المغربي قاعدة جديدة في الوعي العام:
الثقة لا تعني الغفلة، والمساءلة لا تعني التشكيك.
حين نرى مسؤولاً يعيش بما لا يتناسب مع دخله، فالسؤال واجب، والتحقيق ضرورة، والشفافية التزام أخلاقي قبل أن تكون قانونياً.
فكما قال أحد القضاة الأوروبيين:
“المال العام لا يُنهب إلا حين يصمت الناس عن السؤال.”
ولعلنا في المغرب نحتاج اليوم إلى أن نُعيد الاعتبار لهذا السؤال البسيط والخطير في آن:
من أين لك هذا؟










