مستجدات

حين صارت الثقافة “ترندًا”: من الفكر إلى الضجيج

طاقم ALLNEWS31 أكتوبر 2025
حين صارت الثقافة “ترندًا”: من الفكر إلى الضجيج

هاشــم الخياطــي

تبدو الساحة الثقافية العربية اليوم أشبه بسوق مفتوح تُعرض فيه الأفكار كما تُعرض السلع، ويُقاس فيها الحضور لا بما يُقال، بل بعدد النقرات والإعجابات. في خضم هذا الزخم، غابت أصوات الكتب، وتوارى الكتّاب الحقيقيون خلف سيلٍ من المؤثرين الذين صاروا يُعرّفون الثقافة وفق معايير الشهرة، لا المعرفة.

قبل أعوام، كانت الثقافة فعلًا كتابيًا أصيلًا، يولد من رحم القراءة والتفكير النقدي، ويُبنى على الحوار والتأمل. أما اليوم، فقد تسللت إليها أدوات جديدة تُعيد صياغتها في قوالب قصيرة وسطحية: فيديو سريع، منشور عابر، أو صوت مؤثر يجيد فن الإبهار أكثر مما يجيد عمق الفكرة. تحوّلت الثقافة من محتوى معرفي متين إلى عرض مرئي سهل الهضم، لا يحتاج إلى عقلٍ متسائل، بل إلى إصبع يضغط على “إعجاب”.

وراء هذه الظاهرة تحولات أعمق في آليات إنتاج المعرفة داخل المجتمعات العربية؛ فالمثقف لم يعد المصدر الأهم للوعي، بل تراجع دوره لصالح المؤثر الرقمي الذي يتقن خطاب الجماهير ويخاطب العواطف بدل العقول. أصبحت الثقافة تُصنّف وفق الخوارزميات لا وفق النقد، وتُوزن بأرقام المشاهدات لا بموازين الفكر.

هكذا، نعيش أزمةً ثقافية حقيقية؛ أزمة وعي قبل أن تكون أزمة محتوى. ثقافة تختزل إلى صورة، وشعار، وضحكة سريعة، وتُحوَّل من فضاءٍ للتنوير إلى مسرحٍ للترفيه. وفي هذا المشهد، يبدو السؤال الملحّ: هل يمكن للثقافة أن تستعيد عمقها في زمن السرعة؟ أم أن “الترند” صار هو المعنى الجديد للثقافة؟

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


الاخبار العاجلة