هاشــم الخياطــي
لم يكن الطريق مفروشًا بالورد… بل بالطباشير، وأحيانًا بالتراب، وأحيانًا أخرى بالوعود الكبيرة التي تتبخر أسرع من بخار الشاي في ساحة المدرسة. كم من “إصلاح تعليمي” هلّلوا له حتى ظننا أننا سنسبق فنلندا، لنكتشف في النهاية أنه مجرد إعادة تغليف لكتاب قديم برائحة جديدة من الغبار. وكم من مسؤول زارنا بابتسامة عريضة، وعدنا بدورات تكوينية ستجعل منا عباقرة العصر، ثم اختفى قبل أن تجف القهوة، وتركنا نصارع السبورة الصدئة بفتات الموارد وأدوات أكل عليها الزمن وشرب الشاي معنا.
لكنني اليوم لا أكتب لأبكي على الأطلال، بل لأتذكر…
أتذكر صباحات الشتاء حين كنا نصل قبل التلاميذ، نرتجف من البرد، ونرتجف أكثر من ثقل المسؤولية، نتقاسم الخبز والشاي وكأننا في معركة إمدادات، ونسير نحو الأقسام كما يسير الفلاح نحو أرضه… لكن بأدوات أقل، ومعارك أكثر. كنا نبذر الكلمات بالطباشير ونحرس الحروف من الضياع، وفي بعض الأيام، نحرس أعصابنا من الانهيار.
أتذكر تلك اللحظات الصغيرة التي أنستني التعب: ضحكة مباغتة، لمعة فهم في عين تلميذ كان يُظن أنه حجر، أو سؤال بريء: “أستاذ، كيف صارت الكتابة مهنة؟”… وكأنني كنت أمتلك عقد عمل رسمي مع الكلمات. حينها كنت أعلم أنني لست أدرّس فقط دروس النحو والمعادلات، بل أزرع حب الحياة، وأحيانًا… حب الاستراحة أكثر من الدرس.
أما التقاعد، فليس كما يقولون “موتًا بطيئًا”، بل هو نهضة روح جديدة. فجأة، تصبح حرًّا: لا جرس يقرع، لا مذكرة مستعجلة، لا مدير يذكّرك بأن السبورة لا تنظف نفسها. صار لي وقت لأتأمل، لأقرأ، لأكتب، ولأجلس مع نفسي التي تركتها تنتظر أمام باب القسم ثلاثين سنة.
لكن… بيني وبينك، أفتقد الضجيج. أفتقد تلك الحروب الصغيرة حول الطباشير المكسور، والجدالات الكبرى حول “من يذهب إلى الحراسة اليوم”. أفتقد حتى مشاغبات بعض التلاميذ الذين كانوا يختبرون حدود صبري، وأضحك الآن على حيلهم التي كانت تُغضبني أكثر مما تغضب الشيطان نفسه.
أزور أحيانًا المدرسة القديمة، أمرّ من بعيد، أسترق نظرة، فأرى أساتذة جدداً يكافحون بنفس السلاح الصدئ، بنفس الأحلام، وبنفس الجمل التي كنا نقولها ونضحك عليها سرًا. بعضهم يحييني باحترام حين يعرف أنني “سي ……..، أستاذ اللغة العربية المتقاعد”، والبعض الآخر يمرّ دون أن يدري أنني ساهمت في بناء هذا الجدار… أو على الأقل في طلائه بطباشير لا يُمحى من الذاكرة.
التقاعد ليس انسحابًا من المعركة، بل ترقية إلى رتبة “حكيم عجوز بلا طباشير”. حكيم يروي القصة، ويسخر من الحروب الصغيرة، ويضحك من الإصلاحات الكبرى، ويحتسي قهوته مطمئنًا: لقد خاض معركة نبيلة… وخرج منها بشعر أبيض وذاكرة لا تُنسى.
لم يكن الطريق مفروشًا بالورود والياسمين ، بل بمقررات “مُرقّعة” وطباشير يتكسر قبل أن تنتهي الجملة الأولى. ثلاثون سنة ونحن نسمع عن “الإصلاح التعليمي الكبير” الذي سيقلب الموازين… وفعلاً قلبها، لكن رأسًا على عقب، حتى صار الأستاذ يحارب بلا درع، والتلميذ يتعلم بلا سلاح، والمدرسة بلا روح، والمسؤولون… بأفواه لا تتوقف عن إطلاق الوعود المجانية.
لقد عشت في زمن “الخطة الاستعجالية” التي استغرقت عقدًا كاملًا، وزمن “الميثاق” الذي مات قبل أن يكمل الحبو، وزمن المناهج الجديدة التي كانت في الحقيقة “نسخة قديمة مع بعض الزينة”. لو كان للتعليم وجه لكان وجهًا متعبًا، مليئًا بالرتوش والضمادات، بلا علاج حقيقي.
أتذكر صباحاتنا القارسة، حين كنا نصل قبل التلاميذ، نصارع البرد مثلما نصارع “المذكرات المستعجلة”. الخبز والشاي كانا قوتنا، والسبورة ساحة معركة نواجه فيها الجهل بقطعة طباشير وحيدة، بينما إصلاحات الوزارة تصلنا مثل برامج الطقس: “غائم جزئيًا، مع احتمال وعود متفرقة“.
أتذكر تلك الاجتماعات التربوية التي كان عنوانها “التطوير”، ومضمونها “كيف ندوّر نفس الكلام”. نخرج منها محملين بمحاضر وملفات، نضعها على الرف بجوار ملفات سابقة، بينما يضع المسؤول صورته في الجرائد بابتسامة تقول: “أنجزنا المستحيل”. والنتيجة؟ المعلم يزداد شيبًا، التلميذ يزداد شرودًا، والمدرسة يزداد طلاء جدرانها أكثر من كتب مكتبتها.
ثم جاء التقاعد، ليُقال لي: “مبروك، انتهت مهمتك”. مهمة ماذا؟ إطفاء الحرائق يوميًا في قسم بلا طفاية حقيقية؟! الآن صرت حراً… لا جرس، لا مذكرة مستعجلة، لا “إصلاح جديد” يهبط علينا مثل عاصفة رملية. صرت أحتسي قهوتي مطمئنًا، وأضحك على كل تلك السنوات التي كنا نُصلح فيها التعليم بالكلام فقط، بينما كانت المدارس تتآكل ببطء مثل طباشيرنا التعيس.
لكن رغم كل شيء… هناك عزاء وحيد للأستاذ : أن يعرف أن اسمه قد يُمحى من السبورة، لكن أثره لا يُمحى من عقول تلاميذه، حتى لو كانت المناهج لا تُعلمهم سوى الصبر على العبث.
في النهاية… خرجت من المعركة، نعم، لكني أملك الآن رفاهية السخرية من جيش الإصلاحات الورقية الذي تركنا نقاتل بلا ذخيرة… وبلا أمل سوى أن يتعلم أحدهم يومًا كيف تُصلح مدرسة… قبل أن تُصلح صورتها في نشرة الأخبار.
+ لمتابعة الأخبار اليومية المتجددة على موقع الصحيفة الإلكترونية المستقلة allnews.maعلى منصات التواصل الاجتماعي، يمكنكم الاشتراك على صفحتنا بموقع فيسبوك. أو عبر منصة إنستغرام ، أوإضافة منصة (X ) تويتر سابقا .








