هاشــم الخياطــي
أثار تصريح غريب ومثير للجدل لأستاذ في القانون الدولي بجامعة جزائرية موجة عارمة من السخرية على مواقع التواصل الاجتماعي، بعد أن دعا — خلال استضافته على قناة تلفزيونية محلية — إلى “إلغاء اللجنة الرابعة والأمم المتحدة ومجلس الأمن دفعة واحدة”، في تعليق وُصف بـ“الانفعالي” على القرار الأممي الأخير الذي جدّد دعم مجلس الأمن لمبادرة الحكم الذاتي المغربية كحل واقعي لقضية الصحراء. المغربية
التصريح، الذي تناقله النشطاء بسرعة كبيرة عبر المنصات الرقمية، تحول إلى مادة ساخرة بين المدونين الجزائريين والمغاربة على حد سواء، إذ اعتبره كثيرون “دليلاً على حالة الارتباك” التي تعيشها بعض الأوساط الأكاديمية والسياسية في الجزائر عقب تكرار المواقف الأممية المؤيدة للمقاربة المغربية.
وذهب عدد من المتفاعلين إلى القول إن الأستاذ الجزائري “خلط بين القانون الدولي والخيال السياسي”، متسائلين كيف يمكن الدعوة إلى إلغاء مؤسسات تشكل أساس النظام الدولي الحديث، فقط لأن قراراتها لا تساير الطرح الانفصالي المدعوم من الجزائر.
وفي المقابل، رأى مراقبون أن مثل هذه التصريحات تعكس مأزق الخطاب الرسمي والإعلامي الجزائري تجاه التطورات الأخيرة في ملف الصحراء المغربية ، خصوصاً بعد اتساع رقعة الدول الداعمة للحكم الذاتي واعتباره في قرارات مجلس الأمن المتتالية “حلاً جاداً وذا مصداقية”.
التفاعل الكبير مع الحادثة أعاد إلى الواجهة النقاش حول مسؤولية النخب الأكاديمية في تغذية الخطاب السياسي المتشنج، بدل المساهمة في ترسيخ مقاربة عقلانية تقوم على الحوار والاعتراف بالتحولات الواقعية التي فرضها الزمن الدبلوماسي المغربي.
وقد أجمع كثير من المتابعين على أن الدعوة إلى “إلغاء الأمم المتحدة” لم تكن سوى تعبير عن خيبة أمل عميقة في مؤسسات ظلت الجزائر تراهن عليها لعقود، قبل أن تجد نفسها أمام موقف دولي يزداد اقتناعاً بمغربية الصحراء يوماً بعد آخر.
ويرى محللون أن موجة السخرية التي اجتاحت المنصات الرقمية لم تكن مجرد رد فعل عفوي على “هفوة لغوية” أو “انفعال أكاديمي”، بل تعبّر عن تحوّل عميق في وعي الرأي العام المغاربي، الذي بات أكثر إدراكًا للعبة الخطاب السياسي وتناقضاته، خصوصًا حين تصدر من أشخاص يُفترض فيهم التحليل القانوني الرصين لا الانفعال الأيديولوجي.
ففي الوقت الذي يتحدث فيه المجتمع الدولي بلغة “الواقعية السياسية” ويشيد بمقترح الحكم الذاتي كحل عملي وواقعي للنزاع المفتعل حول الصحراء المغربية، ما زالت بعض الأصوات في الجزائر تُصر على التمسك بخطاب يتجاهل المتغيرات الدولية ويستعيد مفردات الحرب الباردة.
كما اعتبر العديد من الخبراء في العلاقات الدولية ،أن هذا التصريح يكشف عمق الأزمة الفكرية والسياسية التي تعيشها بعض النخب الجزائرية، والتي تبدو عاجزة عن استيعاب التحولات الدبلوماسية الأخيرة لصالح المغرب، سواء في قرارات مجلس الأمن أو في مواقف القوى الكبرى التي باتت تنظر إلى الحكم الذاتي كإطار متوازن يضمن الاستقرار الإقليمي.
وفي المقابل، تفاعل عدد من المغاربة بسخرية لاذعة مع الموقف، معتبرين أن “من يعجز عن الرد بالحجة القانونية يلجأ إلى المطالبة بإلغاء المؤسسات”، فيما وصف آخرون الدعوة إلى إلغاء الأمم المتحدة بـ“سابقة في تاريخ الفكر السياسي الحديث”.
من جهتهم، دعا بعض الأصوات الأكاديمية الجزائرية إلى ضرورة استعادة النقاش العلمي الرصين بعيدًا عن التوترات السياسية، مؤكدين أن مثل هذه التصريحات تُسيء لصورة الجامعة الجزائرية وتُظهرها كفضاء للتجاذب الأيديولوجي بدل البحث العلمي المستقل.
وبين جدية الموقف وسخريته، كشفت هذه الواقعة مجددًا حجم الهوة بين الخطاب الرسمي الجزائري وواقع الساحة الدولية، حيث تتسع يوماً بعد يوم دائرة الاعتراف بمغربية الصحراء، بينما تتراجع الأصوات التي ما زالت تراهن على خطاب الرفض والمكابرة والتي غالبا ما تكون مأجورة والدليل على ذلك أين كان الأستاذ الجامعي طيلة خمسة عقود من هذا الصراع المفتعل.
في نهاية المطاف، لا يمكن إلغاء الأمم المتحدة أو مجلس الأمن لمجرد أن قراراتهما لا تُرضي طرفاً بعينه، لكن يمكن — وربما يجب — إلغاء منطق الإنكار الذي يصر على تجاهل الحقائق. فالعالم يتغير، والمغرب يترسخ في صحرائه بسياسة هادئة ورؤية واقعية، بينما يبقى الآخرون أسرى صراخ إعلامي يزداد عبثية كلما اقترب الحل النهائي لهذا المشكل المفتعل من طرف الجارة الشرقية .










