مستجدات

رغم مشاريع السدود وتحلية المياه… الحل الحقيقي في ضبط الاستهلاك الزراعي

طاقم ALLNEWS23 سبتمبر 2025
رغم مشاريع السدود وتحلية المياه… الحل الحقيقي في ضبط الاستهلاك الزراعي

هاشــم الخياطــي

رغم الاستثمارات الكبرى التي ضخها المغرب في بناء السدود وتطوير محطات تحلية مياه البحر، إلا أن معضلة ندرة المياه ما تزال قائمة، لتكشف أن الحلول التقنية وحدها غير كافية دون معالجة جوهر الإشكال: الاستهلاك المفرط للمياه في المجال الزراعي.

فبحسب تقارير رسمية، يلتهم القطاع الزراعي أكثر من 80% من الموارد المائية المتاحة، وهو ما يضع تحدياً هيكلياً أمام أي سياسة تروم تحقيق الأمن المائي والغذائي. ويجمع خبراء على أن تحديث أساليب الري واعتماد تقنيات ذكية وموفرة للماء، مثل الري بالتنقيط والري الموضعي، بات ضرورة لا ترفاً، لكونها تضمن إنتاجية أفضل مع استهلاك أقل.

كما أن حماية الموارد الطبيعية، من فرشات مائية وغابات وأراضٍ زراعية، تشكل محوراً أساسياً في معادلة التوازن البيئي. فاستنزاف هذه الثروات دون تعويض أو ترشيد يهدد المستقبل الزراعي للمغرب ويزيد من هشاشة المنظومة الإيكولوجية.

على مدى عقود، اختار المغرب مواجهة أزمة المياه باستراتيجية قائمة على بناء السدود الكبرى وتوسيع محطات تحلية مياه البحر. وهي مشاريع ضخمة من حيث الكلفة المالية والإشعاع السياسي، غير أن جدواها على المدى المتوسط والبعيد ما تزال محل تساؤل، خاصة مع تصاعد تأثيرات التغير المناخي وتفاقم الضغط على الموارد الطبيعية.

فالوقائع الميدانية تكشف أن الاستهلاك الزراعي يظل الحلقة الأضعف والأكثر استنزافاً، إذ يلتهم أزيد من 80% من المياه العذبة. ورغم جهود الدولة في تعميم أنظمة الري بالتنقيط منذ “المخطط الأخضر”، فإن الاستعمال الفعلي لهذه التقنيات كثيراً ما ينحرف عن هدفه الأصلي. فقد تحوّل، في بعض المناطق، إلى وسيلة لتوسيع المساحات المزروعة بدل ترشيد الكميات المستعملة، مما جعل الحصيلة النهائية خالية من الوفورات المنتظرة.

من جهة أخرى، يطرح الدعم العمومي إشكالاً بنيوياً، إذ يوجَّه في كثير من الأحيان نحو زراعات تصديرية كثيفة الاستهلاك للماء (كالبطيخ الأحمر والأفوكادو)، بدل الزراعات المعيشية الأكثر انسجاماً مع الواقع المائي والبيئي المغربي. وهو خيار اقتصادي قصير النظر يربط الفلاحة بالأسواق الخارجية ويعرض الأمن الغذائي الداخلي للخطر، خاصة في سنوات الجفاف الحاد.

ضغط التغير المناخي يضيف طبقة أخرى من التعقيد. فالمغرب يعيش منذ سنوات على وقع تراجع التساقطات وارتفاع درجات الحرارة، ما يعني تقلصاً متواصلاً للموارد المائية الطبيعية. وفي ظل هذا الواقع، فإن المراهنة على الحلول الهندسية الكبرى وحدها أشبه بتأجيل الأزمة لا حلها. إذ أن تحلية المياه، رغم جدواها، تبقى حلاً مكلفاً من حيث الطاقة والبيئة، كما أن السدود لم تعد قادرة على ضمان التعبئة الكافية أمام سنوات الجفاف المتعاقبة.

كل هذه المعطيات تجعل النقاش حول الأمن المائي يتجاوز البعد التقني إلى بعد سياسي واستراتيجي أعمق: أي نموذج فلاحي نريد؟ هل نستمر في دعم أنماط إنتاج موجهة للتصدير ومقترنة باستنزاف الموارد؟ أم نعيد توجيه السياسات العمومية نحو زراعة مستدامة تحقق التوازن بين متطلبات الاقتصاد وحاجيات المواطن والبيئة؟

الخلاصة أن مستقبل المغرب المائي والزراعي لن يُبنى فقط على الإسمنت والأنابيب، بل على قدرة السياسات العمومية في إعادة ترتيب الأولويات. فالحفاظ على الماء ليس مسألة تقنية بقدر ما هو قرار سياسي يتطلب شجاعة في مواجهة لوبيات الفلاحة الكبرى، والانتقال إلى نموذج إنتاج يحترم الحدود البيئية، ويؤمن حياة كريمة للأجيال القادمة.

 

الاخبار العاجلة