مستجدات

زمن التهافت: حين تتحول السياسة إلى مسرح للفراغ والادعاء.

طاقم ALLNEWS8 أبريل 2025
زمن التهافت: حين تتحول السياسة إلى مسرح للفراغ والادعاء.

ذ. زهير أصدور

لم تكن السياسة يومًا مجرد صراع على المواقع، بل كانت دائمًا حوارًا بين الرؤية والمسؤولية، بين الطموح الجماعي والمصلحة العامة. غير أن الزمن السياسي المعاصر يشهد تحولًا ملحوظًا، حيث لم يعد التهافت استثناءً عابرًا، بل صار قاعدة تُنظِّم المشهد، فتدفع بالرداءة إلى الواجهة، وتحيل الفعل السياسي إلى مسرح فارغ من المعنى، مكتظ بالادعاء.

السياسة، كما فهمها الكبار من مكيافيلي إلى أرندت، هي قبل كل شيء فنّ تدبير الجماعة البشرية في ضوء مصلحة عامة. لكن حين يغيب هذا الوعي، تتحول إلى مجرد لعبة مواقع، يمارسها ساسة متهافتون وأشباه سياسيين، كلٌّ بأسلوبه، لكن بمحصلة واحدة: فراغ في الرؤية، وخواء في المشروع، وضجيج يُغطِّي على عجز بنيوي في التفكير والتدبير.

السياسي المتهافت لا يبني، بل يقتات من الهدم. لا يُعارض من موقع مبدئي، بل من موقع انتهازي. يرفع الشعارات بدل صياغة الحلول، ويتقن المناورة أكثر من الإبداع. في عالمه، تُختزل السياسة في الصورة والتغريدة، بينما تظل الفكرة والمحتوى مجرد تفاصيل جانبية. أما أشباه السياسيين، فهم نتيجة طبيعية لهذا المناخ: وجوه تُحسن الصراخ لكنها تفتقد للعمق، تُمارس السياسة كاستعراض، وتتعامل مع الشأن العام بمنطق “الفرصة” لا “الرسالة”.

الخطير أن هذا التهافت لا يُخلِّف فقط فراغًا فكريًا، بل يُنتج دينامية مقلوبة: يُصبح فيها الصوت العالي مرادفًا للكفاءة، والتطرف في الموقف دليلًا على المبدأ، بينما يُدفع العارفون وأصحاب الرؤية إلى الهامش، لأنهم لا يُتقنون لعبة المزايدة.

لكن هل هذه نهاية السياسة؟ ليس بالضرورة. التاريخ يُعلِّمنا أن السياسة، مثل الطبيعة، لا تحتمل الفراغ. وكما يفرز الزمن الرداءة، فهو قادر على أن يُعيد التوازن حين ينهض جيل جديد من الفاعلين، يحمل مشروعًا بقدر ما يحمل موقفًا، ويؤمن بأن السياسة ليست تهافتًا، بل بناءٌ متأنٍّ، تُوزن فيه الخطوات بقدر ما تُوزن الكلمات.

في النهاية، ستبقى السياسة فنّ الممكن، لكنها لا يجب أن تتحول إلى فنّ العبث. ومتى سقط القناع، زال الوهم، وبقي الفعل وحده يشهد لمن يستحق أن يُحسب على السياسة، ومن يُحسن فقط أن يتهافت في هوامشها...

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


الاخبار العاجلة