في الوقت الذي تشهد فيه بعض الدول المتقدمة سباقًا بيولوجيًا محمومًا نحو استخلاص سم العقارب واستخدامه في الصناعات الدوائية والعلاجية، لا يزال المغرب يتلمّس خطواته الأولى في هذا المجال الواعد، رغم ما يمتلكه من مؤهلات طبيعية وبشرية تؤهله ليكون من أبرز منتجي هذه المادة الحيوية النادرة والأغلى في العالم.
فرغم السمعة القاتلة للعقارب، خاصة في المناطق الجافة والجنوبية للمملكة، إلا أن سمّها يحتوي على مركّبات فريدة يمكن أن تُحدث ثورة في الطب الحديث، ويدرّ في الوقت ذاته أرباحاً ضخمة تقدر بملايين الدولارات، إذا ما تم استثماره بشكل منظم وآمن.
يُعدّ العقرب الأصفر المنتشر في مناطق زاكورة، تنغير، والراشيدية، من أكثر العقارب سمّية في إفريقيا، وهو من بين الأنواع المستهدفة لاستخلاص السم. وتشير المعطيات العلمية إلى أن العقرب الواحد لا يُنتج إلا ما بين 0.13 إلى 0.5 ميليغرام من السم في كل عملية حلب، مما يجعل إنتاج لتر واحد يتطلب أكثر من 100,000 عقرب.
وبحسب تقارير علمية دولية، يُعد سم العقرب من أغلى السوائل على وجه الأرض، حيث يُباع الغرام الواحد بنحو 10,000 دولار أمريكي، أي أن لتر السم قد يتجاوز سعره 10 ملايين دولار، نظراً لصعوبة استخلاصه وندرته العالية.
وتُستخدم مكونات السم في تطوير أدوية لعلاج:
السرطان (خاصة الأورام الدماغية).
أمراض الأعصاب.
التهاب المفاصل.
الأمراض المناعية المزمنة.
وأيضًا كمهدئ عصبي بديل للمسكنات الأفيونية التقليدية.

وفقًا لتقرير رسمي صادر عن المركز المغربي لمحاربة التسمم واليقظة الدوائية (CAPM)، التابع لوزارة الصحة والحماية الاجتماعية، تم تسجيل ما مجموعه 29,816 حالة لسعة عقرب بالمغرب خلال سنة 2021، تمثل حوالي 80% من مجموع حالات التسمم على الصعيد الوطني.
كما بلغ معدل الوفيات المرتبطة بهذه اللسعات ما بين 30 و50 وفاة سنويًا، أغلبها في صفوف الأطفال دون سن الخامسة عشرة.
ويؤكد التقرير، الصادر سنة 2022 تحت عنوان:
“Rapport annuel du Centre Anti-Poison et de Pharmacovigilance du Maroc – Année 2021”
أن جهات درعة-تافيلالت، مراكش-آسفي، وسوس-ماسة، تتصدر ترتيب المناطق الأكثر تضررًا بسبب الانتشار الكثيف للعقارب السامة.
رغم الجهود التي تبذلها وزارة الصحة عبر برنامج وطني لمحاربة لسعات العقارب، لا تزال الاستفادة العلمية والاقتصادية من هذه المادة الحيوية محدودة، نتيجة غياب قوانين منظمة لاستخلاص السم وتربيته في ظروف مراقبة.
يرى خبراء أن المغرب قادر على ولوج سوق “البيوتكنولوجيا” المرتبطة بسموم الحيوانات، شريطة:
سن قوانين تنظم تربية العقارب وتصدير سمّها.
تشجيع البحث العلمي في هذا المجال داخل الجامعات والمراكز البيولوجية.
خلق شراكات بين القطاع العام والخاص لتوفير بنية تحتية مؤمنة ومتخصصة.
ما بين الخطر الصحي والفرص الاقتصادية، يبدو سم العقارب مورداً بيولوجيًا ثمينًا لا ينبغي تجاهله. فالمغرب، بما يتوفر عليه من مناخ ملائم وتنوع بيئي وعلمي، قد يتحول إلى منصة إقليمية لإنتاج وتصدير سم العقارب، وتحويل هذا “السم القاتل” إلى علاج منقذ للأرواح وثروة وطنية استراتيجية.










