هاشــم الخياطــي
ليست كل المقالات الطويلة صحافة، ولا كل العناوين العريضة دليلاً على الجرأة. أحياناً، يكون الإطناب مجرد قناع رقيق لارتباك عميق، وهذا بالضبط ما وقعت فيه جريدة لوموند الفرنسية، وهي تحاول أن تقنع قراءها بأنها “تكشف” المغرب، بينما هي في الحقيقة تكشف عن مأزقها هي.
فما “تخرمزه “ جريدة لوموند عن المملكة المغربية الشريفة ، لا يدخل في باب الصحافة الاستقصائية، بقدر ما يندرج ضمن تمرين كلاسيكي في الاصطفاف السياسي المغلف بلغة تحليلية باردة. لغة توحي بالمسافة النقدية، لكنها في العمق مشدودة إلى تصورات قديمة، وحنين غير معلن إلى زمن كان فيه المغرب يُقرأ من زاوية الوصاية، لا من زاوية الندية.
ليست جرأة مهنية ما نقرأه، بل ارتباك ذهني أمام واقع جديد: المغرب لم يعد تابعاً، ولم يعد هامشياً، ولم يعد ينتظر شهادة حسن سلوك من هيئة تحرير في باريس. المملكة اليوم تتحرك بإيقاعها الخاص، تبني شراكاتها، تدافع عن خياراتها، وتدير اختلافاتها بمنطق الدولة، لا بمنطق التلميذ الذي ينتظر التصحيح بالأحمر.
المفارقة أن لوموند تكتب وكأن الزمن توقف عند أرشيف التسعينيات، بينما المغرب يتقدم بسرعة تزعج من اعتادوا رؤيته ثابتاً في خانة “الدول القابلة للشرح الأبدي”. كأن الجريدة تقول: إن لم نفهم ما يجري، فلا بد أن الخلل في المغرب، لا في أدواتنا التحليلية.
وحين تعجز الصحافة عن مواكبة التحولات، تلجأ إلى أسهل الحلول: إعادة تدوير الأسئلة نفسها، والشكوك نفسها، ونبرة الوصاية نفسها. عندها لا يعود المقال تحقيقاً، بل يصبح موقفاً سياسياً متنكرًا في هيئة مادة صحفية.
المشكلة الحقيقية، إذن، ليست أن المملكة تتغير، فذلك أمر واقع لا يحتاج إلى تبرير. المشكلة أن بعض العيون ما زالت ترفض تعديل زاوية النظر، وتصر على استخدام عدسات معتمة، ثم تشتكي من أن الصورة غير واضحة.
لوموند ليست مطالبة بالتصفيق للمغرب، ولا أحد ينتظر منها ذلك. لكنها، إن أرادت أن تظل جريدة مرجعية، مطالبة على الأقل بأن تفرق بين النقد المهني، وبين الحنين غير المعلن إلى زمن لم يعد قائماً. أما غير ذلك، فليس سوى صحافة تكتب عن العالم… وهي متأخرة عنه بخطوة كاملة.










