مستجدات

من معابر حجرية إلى فضاءات للروح والإبداع: أبواب المدن المغربية تحكي تاريخاً يتجدد

طاقم ALLNEWS26 ديسمبر 2025
من معابر حجرية إلى فضاءات للروح والإبداع: أبواب المدن المغربية تحكي تاريخاً يتجدد

هاشــم الخياطــي

لا تخلو المدن المغربية العتيقة، من فاس والرباط إلى مكناس ومراكش وتطوان والصويرة، من أسوار شامخة تطوّق الذاكرة الحضرية، وتحرس داخلها قروناً من التاريخ والتحولات. وعلى امتداد هذه الأسوار تنتصب أبواب عريقة، تختلف في أحجامها وعددها من مدينة إلى أخرى، لكنها تتقاطع جميعاً في كونها أكثر من مجرد ممرات للعبور. ويُسجَّل أن مدينة سبتة المحتلة، على خلاف باقي الحواضر، بلغ عدد أبوابها أكثر من خمسين باباً، في دلالة على الأهمية الاستراتيجية التي كانت تحتلها عبر التاريخ.

ولم تعد هذه الأبواب اليوم مجرد واجهات أثرية يقف أمامها السياح لالتقاط الصور، أو معابر تفصل بين داخل الأسوار وخارجها، بل تحولت في كثير من المدن إلى فضاءات نابضة بالحياة، تؤدي وظائف ثقافية وفنية، موسمية وأحياناً دائمة، بما يعكس وعياً جديداً بقيمة التراث وضرورة إدماجه في الحياة المعاصرة.

The Bab Bou Jeloud gate also known as The Blue gate at the medina of Fez, Morocco

وتشير المصادر التاريخية المغربية إلى أن كلمة “باب” لم تكن مجرد توصيف معماري، بل استُعملت أيضاً كلقب يحمل دلالات التبجيل والاحترام. فقد خاطب السلطان المنصور السعدي بعض مخاطَبيه في رسائله بعبارات من قبيل: “أفي باب منصور” أو “أفي باب أبي فارس”، في إشارة رمزية إلى المكانة والهيبة. ويربط المؤرخون هذا الاستعمال بتقاليد المناطق الصحراوية، حيث شُيّدت القصور الطينية المعروفة بـ“القصبات”، وتميزت بأبوابها الخشبية الضخمة، خاصة تلك التي وصل إليها جنود السلطان المنصور السعدي في بلاد شنقيط وموريتانيا.

واكتسبت العديد من أبواب المغرب العتيقة شهرتها ومكانتها من خلال المواقع التي تتوسطها، والأحداث التاريخية التي شهدتها. ففي مدينة مكناس، تتعدد الأبواب وتتنوع دلالاتها، ويبرز في مقدمتها “باب المنصور” المطل على ساحة الهديم، والذي يُعد من أكبر أبواب شمال إفريقيا. شُيّد هذا المعلم سنة 1732 في عهد المولى عبد الله، وشهدت ساحته أحداثاً سياسية واجتماعية كبرى عبر التاريخ. وبفضل ضخامته وزخرفته الفريدة، أصبح باب المنصور قبلة لمخرجي الأفلام السينمائية والمسلسلات التاريخية، بل تم أخيراً تجسيد نموذج مماثل له في العاصمة الفرنسية باريس، في اعتراف عالمي بقيمته المعمارية.

أما مدينة فاس، فتزخر بدورها بأبواب ارتبطت بهويتها المعمارية والروحية، ومن أشهرها “باب الماكينة”، الذي يربط بين المدينة العتيقة والمسارات المؤدية إلى المدينة الحديثة. بُني هذا الباب سنة 1886 في عهد السلطان الحسن الأول، وكانت ساحته في الماضي مسرحاً للاستعراضات العسكرية واستقبال الوفود الأجنبية، كما حملت اسم “الماكينة” لوجود مصنع للأسلحة بجواره. ولم يكن الفضاء خالياً من الحياة الشعبية، إذ كان الحكواتيون يجتمعون أمام الباب لسرد القصص والترفيه عن الساكنة، على غرار ما اشتهرت به ساحة جامع الفنا بمراكش. ومنذ منتصف تسعينيات القرن الماضي، اكتسب باب الماكينة بُعداً ثقافياً عالمياً، باحتضانه سنوياً فعاليات مهرجان فاس للموسيقى الروحانية العالمية، حيث تتلاقى أنغام الفرق القادمة من مختلف القارات في مشهد فني فريد.

وتُعد الرباط من أكثر المدن المغربية التي نجحت في توظيف أبوابها التاريخية في الترويج للسياحة الثقافية. فقد تحوّل عدد من هذه الأبواب، منذ سنوات، إلى قاعات قارة للمعارض التشكيلية والعروض الفنية، وفضاءات لاحتضان تظاهرات محلية وإقليمية ودولية. ويبرز في هذا السياق “باب الأحد”، أشهر أبواب العاصمة، والواصل بين المدينة القديمة والحديثة، والذي خضع لعمليات ترميم وتأهيل تمهيداً لتحويله إلى فضاء ثقافي مفتوح، فيما أصبحت واجهته الخارجية ديكوراً طبيعياً لإقامة السهرات والأنشطة الفنية.

وفي إطار البرامج الرامية إلى التعريف بالتراث الحضاري المغربي وصيانته، حظيت عدة أبواب تاريخية بدعم من منظمات إقليمية ودولية. ومن بين هذه المبادرات، الدعم الذي قدمته المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة (إيسيسكو) لترميم وتزيين “باب الدباغ” بمدينة مراكش، أحد المعالم البارزة للمدينة الحمراء، بهدف تحويله إلى قاعة للعروض الفنية، تجمع بين عبق التاريخ ومتطلبات الإبداع المعاصر.

وهكذا، لم تعد أبواب المدن المغربية مجرد شواهد صامتة على الماضي، بل أضحت جسوراً حية بين الذاكرة والتجديد، تؤكد أن الحفاظ على التراث لا يعني تجميده، بل إحياؤه وإعادة توظيفه بما يخدم الثقافة ويعزز إشعاع المدن المغربية في الحاضر والمستقبل.

 

الاخبار العاجلة