لم يعد سباق توصيل الطلبيات مجرد منافسة تجارية على السرعة، بعدما باتت الطريق تتحول، في بعض الحالات، إلى مساحة ضغط خطيرة على سائقي الدراجات النارية الذين يجدون أنفسهم بين عقارب الساعة ومتطلبات الزبون وقواعد السلامة الطرقية.
وفي ظل الانتشار المتزايد للدراجات النارية داخل المدن، تتحرك الوكالة الوطنية للسلامة الطرقية «نارسا» لفرض مقاربة أكثر صرامة على قطاع توصيل الطلبيات، في محاولة لوضع حد للممارسات التي قد تدفع السائقين إلى السرعة والمجازفة أثناء أداء عملهم.
ناصر بولعجول، مدير «نارسا»، لم يترك هامشاً كبيراً للالتباس خلال اجتماع عقد صباح الاثنين مع ممثلي الفدرالية المغربية لمستوردي وموزعي الدراجات النارية والهوائية والكهربائية.
الرسالة كانت واضحة: آجال التسليم لا يمكن أن تتحول إلى مبرر لخرق قواعد السلامة أو الضغط على السائقين للمخاطرة بحياتهم.
وكشف بولعجول أنه سبق أن تدخل لدى إحدى الشركات الكبرى بسبب نظام كان يربط إلغاء الطلبية بعدم احترام مدة محددة للتسليم، وهو ما يطرح، بحسب مضمون الاجتماع، سؤالاً أساسياً حول الحدود التي ينبغي أن تقف عندها المنافسة التجارية عندما يتعلق الأمر بسلامة مستعملي الطريق.
المشكلة لا تتوقف عند تحديد آجال قصيرة للتسليم، بل تمتد إلى ظروف العمل نفسها.
فالسائق الذي يجد نفسه مطالباً بالوصول في وقت محدد، تحت طائلة إلغاء الطلبية أو التأثير على مردوديته، قد يجد نفسه أمام ضغط إضافي أثناء القيادة، خصوصاً في شوارع تعرف اكتظاظاً مرورياً وحركية متزايدة للدراجات النارية.
ولهذا شدد مدير «نارسا» على ضرورة أن تتحمل شركات التوصيل مسؤوليتها في توفير ظروف عمل آمنة ومعدات السلامة للعاملين بالمجان، بدل نقل تكلفتها إلى السائقين.
الرسالة التي حملها الاجتماع تتجاوز مجرد توفير خوذة أو معدات حماية، لتصل إلى طبيعة العلاقة المهنية نفسها.
فالسلامة الطرقية، وفق هذا المنظور، لا يمكن أن تكون مسؤولية السائق وحده، بينما تظل أنظمة العمل وآجال التسليم بمنأى عن أي مساءلة.
وكلما ارتفع الضغط لتحقيق السرعة، ارتفعت الحاجة إلى أن تكون شروط العمل نفسها مصممة بطريقة لا تدفع السائق إلى الاختيار بين احترام قانون السير والحفاظ على عمله.
يناير يحمل تغييرات جديدة للدراجات النارية
وبالتوازي مع ملف التوصيل، دخل الاجتماع في تفاصيل الإجراءات الجديدة المتعلقة بنقل ملكية الدراجات النارية، المرتقب دخولها حيز التنفيذ ابتداء من فاتح يناير المقبل.
غير أن المهنيين عبروا عن تخوفاتهم من احتمال اكتظاظ مراكز التسجيل، بالنظر إلى العدد الكبير للدراجات المعنية ومحدودية البنيات المتوفرة.
وهنا تبرز معادلة أخرى لا تقل أهمية: كيف يمكن تنزيل إصلاح إداري واسع دون تحويل مراكز التسجيل إلى بؤر جديدة للاكتظاظ والانتظار؟
وفي محاولة لتفادي جزء من هذه الإشكالات، أعلن مدير «نارسا» قرب صدور نصوص تنظيمية جديدة تروم تبسيط المساطر والحد من الازدحام.
كما يرتقب اعتماد بطاقات رمادية ممغنطة خاصة بالدراجات النارية، على غرار الوثائق المعتمدة بالنسبة للسيارات، في خطوة تستهدف تحديث تدبير وثائق هذه الفئة من المركبات.
واتفق الطرفان على مواصلة التشاور وتنظيم يوم دراسي بمشاركة مختلف المتدخلين، إلى جانب عقد لقاءات تواصلية لمواكبة تنزيل الإجراءات الجديدة والبحث عن حلول عملية لتعزيز السلامة والحد من حوادث الدراجات النارية.
وتكتسي هذه الخطوة أهمية خاصة بالنسبة لقطاع أصبح حاضراً بقوة في الحياة اليومية للمدن، سواء في التنقل أو في خدمات توصيل الطلبيات.
في نهاية المطاف، لا يمكن اختزال ملف الدراجات النارية في الخوذة والوثائق والبطاقة الرمادية فقط. فالمعادلة الحقيقية تبدأ من سؤال أكثر حساسية: هل يمكن لمنظومة توصيل تكافئ السرعة أن تطلب من السائق في الوقت نفسه أن يقود بأقصى درجات الحذر؟
الطريق ليست منصة لتسابق الشركات على دقائق التسليم، والسائق ليس آلة مطالبة باختصار المسافة والزمن مهما كانت الظروف.
إذا كانت «نارسا» تتجه فعلاً إلى تشديد متطلبات السلامة، فإن الاختبار الحقيقي لن يكون في عدد المذكرات والنصوص التنظيمية، بل في مدى قدرة هذه الإجراءات على تغيير السلوك داخل الشارع، وإلزام الشركات بتحمل مسؤوليتها، حتى لا يتحول ضغط «الطلبية المستعجلة» إلى فاتورة بشرية جديدة فوق إسفلت المدن.
فالطلبية يمكن أن تتأخر دقائق… أما الحياة فلا تمنح فرصة ثانية.









