هاشــم الخياطــي
اعتاد الإنسان، منذ فجر التاريخ، أن يحمّل الزمن أوزاره، ويعلّق إخفاقاته على شماعة “هذا العصر الرديء”، وكأن الزمان كائن واعٍ يختار أن يقسو علينا دون غيرنا. نلعن أيامنا، ونشكو تبدّل القيم، ونترحّم على ماضٍ نراه مثالياً، بينما نتناسى حقيقة بسيطة ومؤلمة: نحن أبناء هذا الزمن، وصنّاع ملامحه، والعيب فينا قبل أن يكون في زماننا.
نعيب زماننا لأننا نرى فيه تراجع الأخلاق، وانتشار الأنانية، وضمور روح التضامن. لكننا نغفل أننا، في كثير من الأحيان، نمارس ما ننتقده. نشتكي من الكذب، ونبرّره لأنفسنا. نندد بالفساد، ونتعايش معه حين يخدم مصالحنا. نغضب من الظلم، ثم نصمت عندما لا يطالنا مباشرة. هكذا يتحوّل الزمن إلى مرآة قاسية تعكس صورتنا كما هي، لا كما نحب أن نراها.
نحن نلوم العصر الرقمي لأنه فرّغ العلاقات من معناها، وجعل التواصل سريعاً وبارداً. غير أننا نحن من اخترنا الاستسهال، وفضّلنا الرسائل القصيرة على اللقاءات الصادقة، والانشغال بالشاشات على الإنصات للإنسان. التكنولوجيا لم تفسدنا بقدر ما كشفت هشاشتنا، وفضحت عجزنا عن إدارة الوقت والقيم.

نعيب السياسة، والاقتصاد، والإعلام، والمؤسسات، لكننا ننسى أن هذه كلها ليست كيانات معلّقة في الفراغ، بل نتاج اختيارات بشرية. حين يعزف المواطن عن المشاركة في الانتخابات مثلا ، أو يقايض صوته بالمصلحة الضيقة، أو يكتفي بدور المتفرّج الغاضب، فإنه يساهم، بصمته أو تواطئه، في صنع واقع يشتكي منه لاحقاً.
ليس المقصود جلد الذات ولا إنكار صعوبة المرحلة، فكل زمن له تحدياته وأزماته. لكن الفرق بين أمة تنهض وأخرى تزداد تراجعاً، يكمن في قدرتها على الاعتراف بمسؤوليتها. الاعتراف بأن الإصلاح لا يبدأ بتغيير الزمن، بل بتغيير السلوك، وبأن القيم لا تُستورد جاهزة من الماضي، بل تُبنى يومياً بالممارسة والقدوة.
“نعيب زماننا والعيب فينا” ليست مجرد حكمة تُردّد للتشاؤم، بل دعوة صريحة للمراجعة. دعوة لأن نسأل أنفسنا: ماذا أضفتُ أنا لهذا الزمن؟ هل كنتُ جزءاً من الحل أم من المشكلة؟ هل تركت أثراً إيجابياً، ولو صغيراً، في محيطي؟
حين نمتلك شجاعة هذا السؤال، يتغيّر المعنى. يتحوّل الزمن من عدوّ نلعنه إلى مسؤولية نحملها. عندها فقط، قد نكفّ عن عيب زماننا، لأننا نكون قد بدأنا، فعلاً، في إصلاح ما فينا.










