مؤشرات بيئية تنذر بتفاقم أزمة النهر
عادت ظاهرة نفوق الأسماك إلى الواجهة من جديد بنهر أم الربيع، خاصة على مستوى مدينة أزمور ومصب النهر، ما أثار قلق الساكنة والفاعلين البيئيين، وأعاد طرح التساؤلات بشأن الوضعية الإيكولوجية لهذا المجرى المائي الحيوي الذي يشكل أحد أهم الموارد الطبيعية بالمغرب.
وتشير المعطيات البيئية والملاحظات الميدانية إلى أن هذه الظاهرة قد تكون ناتجة عن تداخل عدة عوامل طبيعية وبشرية، في مقدمتها الانخفاض الحاد في مستويات الأكسجين المذاب بالمياه. ويُعزى هذا التراجع غالباً إلى تراكم المواد العضوية وتصريف مياه الصرف الصحي، حيث يؤدي تحلل هذه المواد إلى استهلاك كميات كبيرة من الأكسجين الضروري لبقاء الكائنات المائية، مما يتسبب في اختناق أعداد من الأسماك ونفوقها.
كما يلفت مختصون إلى التأثيرات السلبية لتصريف المياه العادمة غير المعالجة، إضافة إلى الانسداد أو التضييق الذي يعرفه مصب النهر، وهو ما يحد من تجدد المياه ويؤثر على التوازن البيئي داخل المنظومة المائية. ويزداد الوضع تعقيداً بفعل تراجع صبيب النهر نتيجة توالي سنوات الجفاف وضعف التساقطات المطرية، فضلاً عن الاستغلال المكثف للمياه لأغراض الري.
ويؤدي هذا الانخفاض في التدفق المائي إلى ركود المياه وارتفاع درجات حرارتها، ما يساهم في زيادة تركيز الملوثات ويهيئ ظروفاً غير ملائمة للحياة المائية. كما تدرس الجهات المختصة احتمال وجود تلوث ناجم عن أنشطة صناعية أو فلاحية، من خلال تسرب مواد كيميائية أو مبيدات وأسمدة قد تؤثر بشكل مباشر على جودة المياه.
ومن بين الفرضيات المطروحة أيضاً، ظاهرة التكاثر المفرط للطحالب، المعروفة بـ”المد الأحمر”، والتي يمكن أن تتسبب في استنزاف الأكسجين المتاح للكائنات الحية أو إفراز مواد ضارة تؤثر على الأسماك والكائنات المائية الأخرى.
ورغم تعدد المؤشرات، يؤكد الخبراء أن تحديد السبب الحقيقي والدقيق لهذه الظاهرة يظل رهيناً بإجراء تحاليل علمية شاملة تشمل عينات من المياه والأسماك النافقة، إلى جانب قياس مؤشرات بيئية أساسية مثل نسبة الأكسجين المذاب والملوحة وتركيز الأمونيا والكشف عن أي مركبات سامة محتملة.
وفي انتظار نتائج الدراسات والتحقيقات البيئية، تتجه أغلب التقديرات إلى أن تلوث المياه بمخلفات الصرف الصحي، والاختلالات التي يعرفها مصب النهر، إضافة إلى التراجع المستمر في تدفق المياه، تشكل مجتمعة أبرز العوامل الكامنة وراء تكرار هذه الظاهرة التي تنذر بمزيد من التدهور البيئي في نهر أم الربيع إذا لم يتم اتخاذ إجراءات عاجلة وفعالة لحماية هذا المورد الطبيعي الحيوي.
ولا تقتصر تداعيات نفوق الأسماك على الجانب البيئي فحسب، بل تمتد لتشمل الجوانب الاقتصادية والاجتماعية، خاصة بالنسبة للصيادين والساكنة المحلية التي ترتبط أنشطتها المعيشية بالنهر ومصبه. كما أن تكرار هذه الحوادث يهدد التنوع البيولوجي ويؤثر على التوازن الطبيعي للمنظومة الإيكولوجية بالمنطقة.
ويرى متابعون للشأن البيئي أن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب مقاربة شاملة تقوم على تعزيز مراقبة جودة المياه، وتسريع مشاريع معالجة المياه العادمة، والحد من مصادر التلوث الصناعي والفلاحي، فضلاً عن ضمان تدفق مائي كافٍ يحافظ على التوازن البيئي للنهر. كما يشددون على أهمية إشراك مختلف المتدخلين من سلطات محلية ومؤسسات بيئية وجمعيات المجتمع المدني في وضع وتنفيذ حلول مستدامة.
وتبقى ظاهرة نفوق الأسماك في نهر أم الربيع بمثابة جرس إنذار جديد يدعو إلى التحرك العاجل لحماية أحد أهم الأنهار المغربية، والحفاظ على ثرواته الطبيعية للأجيال المقبلة، في ظل التحديات المتزايدة التي تفرضها التغيرات المناخية والضغوط البشرية على الموارد المائية.










