مرة أخرى، تجد حرية الصحافة نفسها عند بوابة سبتة أمام سؤال أكبر من مجرد منع طاقم إعلامي من العبور: من يخشى الكاميرا حين تكون مهمتها نقل الواقع كما هو؟
إقدام السلطات الإسبانية بمدينة سبتة المحتلة على منع طاقم صحفي تابع للقناة الثانية «دوزيم» من دخول المدينة لممارسة مهامه المهنية ليس تفصيلاً إدارياً عابراً، ولا مجرد إجراء أمني يمكن دفنه في زحام التبريرات الجاهزة، بل واقعة تستحق التوقف عندها، لأنها تمس في الصميم حق الصحفي في الوصول إلى المعلومة ومتابعة الأحداث من الميدان.
النقابة الوطنية للصحافة المغربية لم تخفِ غضبها، بل وصفت ما جرى بالتضييق السافر على حرية الصحافة وحجب متعمد للواقع، رافضة أن يتحول الصحفيون المغاربة إلى رهائن للحسابات السياسية أو الأمنية.
فالصحفي ليس خصماً سياسياً، والكاميرا ليست تهديداً أمنياً، والقلم لا يشكل خطراً على الحدود. وظيفة الصحافة هي أن ترى وتسأل وتتحقق وتنقل، لا أن تنتظر إذناً من هذا الطرف أو ذاك حتى تقول ما حدث.
وإذا كانت السلطات الإسبانية تملك مبررات قانونية أو أمنية لمنع دخول طاقم صحفي، فإن الشفافية تقتضي أن تكون هذه المبررات واضحة ومحددة، لا أن يتحول المنع إلى رسالة مبهمة مفادها أن بعض المناطق يمكن أن تُغلق في وجه الصحافة كلما ارتفعت حساسيتها السياسية.
الأكثر إثارة للقلق أن الأمر يتعلق بمدينة تعرف أصلاً تعقيدات سياسية وأمنية وجغرافية، ما يجعل الوصول إلى المعلومة من الميدان أكثر أهمية، لا أقل. ففي مثل هذه المناطق تحديداً، تصبح الصحافة المهنية ضرورة لمنع الإشاعة من ملء الفراغ، ولإتاحة الوقائع للرأي العام بعيداً عن الروايات الأحادية.
والنقابة الوطنية للصحافة المغربية لم تكتفِ بالتنديد، بل أعلنت نقل القضية إلى المستوى الدولي، من خلال مراسلة الاتحاد الدولي للصحفيين والاتحاد الإفريقي للصحفيين واتحاد الصحفيين العرب، في خطوة تعكس أن القضية، من وجهة نظرها، تجاوزت حدود خلاف مهني عابر وأصبحت مرتبطة بحرية الصحافة وحق الإعلاميين في أداء واجبهم.
كما أعلنت النقابة استعدادها لتنظيم وقفات احتجاجية بالتنسيق مع فروعها في الشمال، مؤكدة أنها ستسلك مختلف المسارات النقابية والمهنية للدفاع عن الصحفيين المغاربة.
الرسالة هنا واضحة: الحدود السياسية لا ينبغي أن تتحول إلى جدران أمام الحقيقة، والإجراءات الأمنية لا يمكن أن تصبح شيكاً على بياض لإسكات الصحافة.
إن منع صحفي من الوصول إلى مكان وقوع الأحداث لا يمنع الأحداث من الوقوع، ولا يمحوها من ذاكرة الرأي العام، بل يفتح الباب أمام الشائعات والتأويلات ويطرح أسئلة أكثر مما يقدم أجوبة.
ومن حق السلطات أن تحمي أمنها، لكن من حق الصحافة أيضاً أن تمارس مهنتها. وبين الحقين، لا ينبغي أن تكون النتيجة هي إسكات الكاميرا.
هذه ليست معركة «دوزيم» وحدها، ولا قضية طاقم صحفي بعينه. إنها معركة مبدأ: هل تظل حرية الصحافة حقاً عندما تصل إلى منطقة شديدة الحساسية، أم تصبح أول ضحية عندما ترتفع درجة التوتر السياسي والأمني؟
والجواب، في النهاية، لا يخص الصحفيين وحدهم، بل يخص كل من يؤمن بأن المعلومة حق، وأن الصحافة الحرة ليست امتيازاً تمنحه السلطات متى شاءت، وإنما مسؤولية وحق أصيل لا ينبغي مصادرته خلف الحواجز والبوابات.
ويذكر أن مدينة سبتة، عرفت يوم، 8 غشت واقعة أثارت جدلاً واسعاً بعدما أفادت معطيات أولية بتعرض سيارة تابعة لطاقم صحفي من القناة الثانية «دوزيم» للتوقيف والاحتجاز من طرف السلطات الأمنية الإسبانية، أثناء قيام الطاقم بمهامه الإعلامية داخل المدينة.
وبحسب المعطيات المتداولة، فإن الواقعة لم تقتصر على توقيف السيارة، بل رافقتها احتكاكات مع أفراد من السلطات الأمنية الإسبانية، في انتظار اتضاح طبيعة الإجراءات التي اتخذت في حق الطاقم ومركبته، والأسباب التي دفعت السلطات إلى التدخل.









