مستجدات

82 سنة على وثيقة المطالبة بالاستقلال… ذاكرة وطنية وأسئلة مفتوحة حول معنى التحرر

طاقم ALLNEWS12 يناير 2026
82 سنة على وثيقة المطالبة بالاستقلال… ذاكرة وطنية وأسئلة مفتوحة حول معنى التحرر

 

هاشـــم الخياطـــي

مرّ ما يناهز 82 سنة على تقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال، في 11 يناير 1944، ومع ذلك ما تزال تشكل حدثاً تاريخياً ووطنياً بارزاً، يحتفي به المغاربة سنوياً عبر الخطب الرسمية، والندوات، والمحاضرات، في مختلف ربوع المملكة، لما تحمله من دلالات سياسية ودينية واجتماعية واقتصادية راسخة في الذاكرة الوطنية.

وجاءت هذه الوثيقة في سياق تاريخي دقيق، بعدما ابتُلي المغرب بالاحتلال الأجنبي سنة 1912، حيث فرض المستعمر سيطرته على الأرض والإنسان، غير أن هذا الواقع لم يدم طويلاً دون مقاومة. فسرعان ما استعاد المغاربة وعيهم بحقيقة ما يُحاك ضدهم، ليتحول الإحساس بالمهانة إلى فعل نضالي منظم، هدفه زعزعة أركان الاستعمار وإنهاء وجوده.

وكان رواد الحركة الوطنية آنذاك يحملون حلماً واضح المعالم: مغرباً حراً مستقلاً، تُبنى مؤسساته على أسس السيادة والكرامة والعدالة. ومن هذا المنطلق جاءت وثيقة المطالبة بالاستقلال، التي حظيت بمباركة جلالة المغفور له الملك محمد الخامس، طيب الله ثراه، لتتجاوز كونها رسالة موجهة إلى سلطات الحماية أو المجتمع الدولي، وتتحول إلى أرضية سياسية جامعة لرسم معالم الدولة الوطنية المنشودة.

ولم يكن الهدف من الوثيقة هو الاستقلال الجغرافي فحسب، رغم مركزيته، بل انطوت على آمال أوسع، شملت الحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية والتقدم والمساواة. لذلك، لم تكن مجرد “حبر على ورق”، بل شكّلت منعطفاً حاسماً في مسار الحركة الوطنية، التي انتقلت من المطالبة بإصلاحات محدودة في إطار الحماية، إلى الدعوة الصريحة لجلاء المستعمر وتحقيق الاستقلال التام، ضمن رؤية مستقبلية واضحة المعالم.

وقد وقّع على الوثيقة رجال نضال من مختلف المشارب: علماء وأساتذة ومثقفون وسياسيون وقادة وطنيون، بعضهم رحل قبل أن يشهد فجر الاستقلال، وبعضهم عايش تلك اللحظة التاريخية، فيما غادر آخرون وهم يحملون غصة عدم تحقق كل الآمال التي راودت جيل المقاومة ومعه عموم المواطنين.

وهي غصة غذّاها، في نظر كثيرين، واقعٌ يشكو من تراجع مكتسبات إيجابية، واتساع مظاهر الفساد بمختلف أشكاله، ما دفع المجتمع المغربي إلى إحداث جمعيات وهيئات حقوقية للتصدي لهذه الظواهر في قطاعات متعددة، من الصحة والعدل إلى التعليم والثقافة والرياضة.

ولا يتعلق الأمر، في جوهره، بحنين إلى الماضي بقدر ما هو مساءلة عميقة لمعنى الاستقلال الحقيقي، ولمفهوم التنمية والتطور. فهل استوعب جيل اليوم رسالة جيل الأمس؟ وهل ما زال هناك خيط ناظم يربط بين تضحيات زمن الاستعمار ورهانات بناء مغرب ديمقراطي حديث؟

إن الاستقلال، وفق هذا المنظور، ليس محطة منتهية، بل مشروعاً مفتوحاً وورشاً دائماً تتوارثه الأجيال، بما يحمله من مسؤوليات وتضحيات، من أجل استعادة الدور الإنساني والحضاري للمغرب وتعزيز إشعاعه محلياً وجهوياً وإقليمياً ودولياً.

ومن هذا المنطلق، يبرز لدى بعض الأصوات مطلبٌ رمزي بتوقيع “وثيقة جديدة”، تنبذ كل أشكال الاستغلال غير المشروع لثروات البلاد، وتحارب الفساد والرشوة واستغلال النفوذ، وتتصدى للبطالة وقهر الفئات الهشة، في أفق إعادة الاعتبار للعدالة الاجتماعية والإنصاف.

في ظل هذه التحولات، يظل إحياء ذكرى وثيقة المطالبة بالاستقلال مناسبة تتجاوز الطابع الاحتفالي أو الخطابي، لتتحول إلى لحظة تأمل جماعي في مسار الدولة والمجتمع. فهي ذكرى تستحضر تضحيات جيل آمن بأن الحرية لا تُمنح، بل تُنتزع، وبأن الاستقلال لا يكتمل إلا ببناء الإنسان وصون كرامته.

كما تشكل هذه المناسبة فرصة لمساءلة السياسات العمومية ومدى انسجامها مع روح الوثيقة، التي بشّرت بدولة الحق والقانون، وربطت بين التحرر السياسي والتنمية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية. فالتحديات التي يواجهها المغرب اليوم، رغم اختلاف السياق التاريخي، تفرض استلهام القيم نفسها: المسؤولية، والنزاهة، وتغليب المصلحة العامة.

إن الحفاظ على رمزية 11 يناير يقتضي نقل معانيه إلى الأجيال الصاعدة، ليس عبر السرد التاريخي فقط، بل من خلال ترسيخ ثقافة المواطنة الفاعلة، وتعزيز الثقة في العمل الجماعي، وربط الحقوق بالواجبات. فالتاريخ، كما يؤكد كثير من الباحثين، لا يعيش في الكتب وحدها، بل في السلوك اليومي وفي اختيارات المجتمع والدولة على حد سواء.

وعليه، تبقى وثيقة المطالبة بالاستقلال مرآة تعكس طموح المغاربة إلى وطن متصالح مع ذاته، قادر على مواجهة تحديات الحاضر واستشراف آفاق المستقبل. وهي في الآن نفسه تذكير دائم بأن معركة البناء لا تقل أهمية عن معركة التحرير، وأن الوفاء لرسالة جيل الأمس يمر حتماً عبر الالتزام الصادق بقيم الحرية والعدالة والكرامة التي من أجلها كُتبت تلك الوثيقة الخالدة.

وفي هذا السياق، تتجه الدعوة إلى الحكومة الحالية لتحمل مسؤولياتها كاملة، والإنصات لنبض المواطن المقهور، والعمل على ترميم الثقة، وبعث الدفء الاجتماعي، وتفادي اتساع هوة قد تُجمّد العلاقات داخل المجتمع وتقوّض تماسكه، في لحظة وطنية تستدعي استحضار روح 11 يناير ومعانيها العميقة.

 وثيقة المطالبة بالاستقلال في 11 يناير 1944:

الحمد لله إن حزب الاستقلال الذي يضم أعضاء الحزب الوطني السابق وشخصيات حرة: حيث إن الدولة المغربية تمتعت دائما بحريتها وسيادتها الوطنية وحافظت على استقلالها طيلة ثلاثة عشر قرنا إلى أن فرض عليها نظام الحماية في ظروف خاصة وحيث أن الغاية من هذا النظام والمبرر لوجوده هما إدخال الإصلاحات التي يحتاج إليها المغرب في ميادين الإدارة والعدلية والثقافة والاقتصاد والمالية والعسكرية دون أن يمس ذلك بسيادة الشعب المغربي التاريخية ونفوذ جلالة الملك وحيث أن سلطات الحماية بدلت هذا النظام بنظام مبني على الحكم المباشر والاستبداد لفائدة الجالية الفرنسية ومنها جيش من الموظفين لا يتوقف المغرب إلا على جزء يسير منه وأنها لم تحاول التوفيق بين مصالح مختلف العناصر في البلاد وحيث أن الجالية الفرنسية توصلت بهذا النظام إلى الاستحواذ على مقاليد الحكم واحتكرت خيرات البلاد دون أصحابها وحيث أن هذا النظام حاول بشتى الوسائل تحطيم الوحدة المغربية ومنع المغاربة من المشاركة الفعلية في تسيير شؤون بلادهم ومنعهم من كل حرية خاصة أو عامة وحيث أن الظروف التي يجتازها العالم اليوم هي غير الظروف التي أسست فيها الحماية وحيث أن المغرب شارك مشاركة فعالة في الحروب العالمية بجانب الحلفاء وقام رجاله أخيرا بأعمال أثارت إعجاب الجميع في فرنسا وتونس وصقلية وكرسيكا وإيطاليا، وينتظر منهم مشاركة أوسع في ميادين أخرى وبالأخص لمساعدة فرنسا على تحريرها وحيث أن الحلفاء الذين يريقون دماءهم في سبيل الحرية اعترفوا في وثيقة الأطلنتي بحق الشعوب في حكم نفسها بنفسها، وأعلنوا أخيرا في مؤتمر طهران سخطهم على المذهب الذي بمقتضاه يزعم القوي حق الاستيلاء على الضعيف وحيث أن الحلفاء أظهروا في شتى المناسبات عطفهم على الشعوب الإسلامية ومنحوا الاستقلال لشعوب منها من هو دون شعبنا في ماضيه وحاضره وحيث أن الأمة المغربية التي تكون وحدة متناسقة الأجزاء تشعر بما لها من الحقوق وما عليها من واجبات داخل البلاد وخارجها تحت رعاية ملكها المحبوب وتقدر حق قدرها الحريات الديمقراطية التي يوافق جوهرها مبادئ ديننا الحنيف والتي كانت الأساس في وضع نظام الحكم بالبلاد الإسلامية الشقيقة.
يقرر ما يأتي: أولاً: أن يطالب باستقلال المغرب ووحدة ترابه تحت ظل صاحب الجلالة ملك البلاد المفدى سيدنا محمد بن يوسف نصره الله وأيده. ثانياً: أن يلتمس من جلالته السعي لدى الدول التي يهمها الأمر الاعتراف بهذا الاستقلال وضمانه، ولوضع اتفاقيات تحدد ضمن السيادة المغربية ما للأجانب من مصالح مشروعة. ثالثاً: أن يطلب نظام المغرب للدول الموافقة على وثيقة الأطلنتي والمشاركة في مؤتمر الصلح. رابعاً: أن يلتمس من جلالته أن يشمل برعايته حركة الإصلاح الذي يتوقف عليه المغرب في داخله، ويكل لنظره السديد إحداث نظام سياسي شوري شبيه بنظام الحكم في البلاد العربية الإسلامية في الشرق تحفظ فيه حقوق سائر عناصر الشعب المغربي وسائر طبقاته وتحدد فيه واجبات الجميع، والسلام.

الموقعون على الوثيقة:

الاخبار العاجلة