يعتبر الاغتصاب من أعنف الجرائم التي ترتكب ضد النساء امرأة كانت أم طفلة، وتثير غضب واهتمام الرأي العام ، وتشغل الكل خصوصا بعد تفشي هذه الظاهرة في السنوات الأخيرة، لما يرتكبه الجاني من وحشية ولما يفرزه الاعتداء الجنسي من اضطراب نفسي لدى المجني عليها، حيث تترتب عنه نتائج وخيمة تجعل الضحية المعتدى عليها تفقد سيطرتها على سلوكها، فتتوخى انتقاما لنفسها وعدم إنصاف المجتمع لها إحدى السبيلين : إما الانتحار أو قتل مغتصبها.
والملاحظ من الناحية العملية والواقعية، أن المعضلة تكمن في ضياع حقوق المجني عليها التي فشلت في إثبات دعواها بالاغتصاب، رغم وقوعه فعلا عليها فيتحول الأمر بالنسبة لها إلى فعل فاحشة، فتكون معاناة ضحايا الاغتصاب معاناة مضاعفة نتيجة الأعراف والمحظورات الاجتماعية والقوانين.
ولقد كان المجتمع مسرحا لقضايا لها ارتباط بالاعتداءات الجنسية، اختلفت الأحكام فيها بحكم طبيعة النازلة وملابساتها، وأفرزت مدى جسامة مسؤولية القاضي في استصدار مقرره الذي يعتبر نقطة تحول في حياة المجني عليها.
والحديث عن ذلك يجرنا إلى استحضار واقعتين مختلفتين الأولى تتعلق بسيدة قتلت مغتصبها بتاونات، بعد أن أحجمت السلطات المعنية بحمايتها والتفاعل مع مضمون الشكايات المتعددة التي كانت تصب كلها على وقائع التعنيف والاغتصاب والابتزاز، التي كانت تتعرض له باستمرار .
فالجانية والتي هي ضحية في نفس الوقت، لم تجد سبيلا للتخلص من براثن المغتصب سوى الحد من حياته.
ويبدو أن قرار قتل مغتصبها والقدرة على اقتراف الجريمة، جاء نتيجة الاضطرابات النفسية وعدم التحكم في الإرادة والإدراك ونفاذ صمودها، أمام تكرار الاعتداءات الجسدية والمعنوية .
ولم يكن هذا الوضع خاف عن القاضي الذي قرر إيداعها بالمؤسسة لعلاج الأمراض العقلية والنفسية.
ولقد انتهى الحكم في هذه النازلة بتوقيع العقاب عليها بعشر سنوات سجنا نافذا.
واعتبر الحكم الصادر في حينه قاسيا لظروف الجانية التي تشفع لها في أعذار قانونية وفي عقوبة أقل ، جبرا للضرر النفسي والجسدي اللاحق بها .
والقضية الثانية التي حفزتنا للحديث عن الاغتصاب ، هي قضية حديثة العهد وتتعلق بالطفلة سناء لا يتجاوز عمرها 11 سنة من ضواحي مدينة تيفلت ، التي تناوب عنها في اغتصاب جماعي ثلاثة وحوش آدمية ، تسببوا في فض بكارتها وما ترتب عن ذلك من حمل، وهي القضية التي أثارت زوبعة اجتماعية وصدمة حقوقية ، نتيجة الحكم المخفف الصادر عن غرفة الجنايات الابتدائية بمحكمة الاستئناف بالرباط ، والتي أصدرت في حقهم حكما بالإدانة، ومعاقبة أحدهما بسنتين حبسا نافذا والباقي بسنتين حبسا نافذا في حدود 18 شهرا وبقية العقوبة موقوفة التنفيذ، وهو الحكم الذي بت في نازلة المتابعة فيها ” التغرير بقاصر بالتدليس ، وهتك عرضها بالعنف الناتج عنه الافتضاض” ، والتي تنظمها الفصول 471 و 488 و 485 من القانون الجنائي .
وقد اهتزت الأوساط القانونية والحقوقية غضبا ، على وقع هذا الحكم الذي اعتبره البعض ترسيخ قاعدة الإفلات من العقوبة في قضايا الاعتداءات الجنسية على الأطفال والنساء ،وصنفه البعض الآخر بأنه يتعارض مع دستور 2011 لا سيما الفصلين 117 و 110 المتعلقين بالأمن القضائي ، وكذا مع الإعلان الأممي حول المبادئ الأساسية لتوفير العدالة لضحايا الجريمة ، وإساءة في استعمال السلطة ومنافي للتطبيق السليم للفصلين 486 و 488 من القانون الجنائي، بل لم يقف الأمر عند هذا الحد حيث اعتبره آخرون أن هذه الواقعة يجب أن تكيف طبقا لقانون الاتجار في البشر.
ومهما كانت التجاذبات والاختلاف في الرأي، فإن محكمة الاستئناف بالرباط تصدت للحكم الصادر نتيجة طعن النيابة العامة فيه بإرجاع الأمور إلى نصابها، فجاء القرار بإدانة المتهم الأول (ع.د) ب 20 سنة سجنا نافذا وفي حق كل من (ي.ز) و(ك.ع) ب 10 سنوات سجنا نافذا لكل واحد منهما، مع إلزام الأول بتعويض قدره 60 ألف درهم و40 ألف درهم بالنسبة للثاني والثالث والكل لفائدة الطرف المدني.
وسيظل هاجس مسلسل الطفولة المغتصبة من المشاكل المركبة والمعقدة التي تقض مضجعنا في غياب المراقبة والمواكبة النفسية البعدية، فحادث الاغتصاب يترك آثارا سيئة مدمرة على الطفل، لأنه يشعر بانتهاك خصوصيته وحقوقه، مما يسبب له الشعور بالخجل والانطواء والعزلة عن الاخرين والقتل النفسي، لأنه أجبر على فعل شيء لا يرغب فيه بالإضافة إلى فقد الثقة بنفسه.









