أضحت ظاهرة السرقات الأدبية والثقافية والعلمية مستفحلة في مختلف البلدان العربية وحتى الغربية، وساهم في فضحها التكنولوجيا المتطورة ووسائل التواصل الاجتماعي، ولم تقتصر السرقات الأدبية على الإبداع والفكر والترجمة، بل شملت حتى الأعمال الأكاديمية العلمية “الرصينة”، وتحولت إلى “علامة مسجلة”، كما ينعتها عديد من المتخصصين.
ولم تسلم الكتب والبحوث والدراسات الأكاديمية ولا حتى المواد الصحفية بمختلف أنواعها من السرقة الأدبية، ويبدو أنه لا الفضح ولا اللجوء إلى المحاكم سيحد منها، فهل الأمر يتعلق بعقم فكري وأدبي يبيح لصاحبه هذا الفعل؟ وهل فضح مقترفي تلك السرقات يمكن أن يحد ومهما اختلفت التسميات والمبررات.
أما بخصوص التناص فهو مصطلح سيميائي معاصر ، يدل على تداخل النصوص وتفاعلها، وأن النصوص تنتج بعضها بعضا وقد يظهر هذا التفاعل النصوصي بمستويات مختلفة فأحيانا بطريقة مكشوفة وأخرى بطريقة ضمنية تحتاج إلى قارئ حصيف ليقبض عليها، وهو ظاهرة طبيعية وصحية بين النصوص، ذلك أن أي مبدع ليس بإمكانه أن ينتج أي نص من فراغ إلا من خلال قراءاته الواسعة في النصوص السابقة، التي تشكل له رصيدا ومعينا يغرف منه عند كل حالة من حالات الكتابة سواء أكانت الكتابة تعيينيةأم إيحائية .
ومن هنا فإن تاريخ الآداب هو تاريخ التناص الذي يساعد النصوص على أن تفسر بعضها بعضا.
أما مصطلح السرقة في مفهومه المباشر فإنه يدل على الأخذ غير الشرعي للنصوص الإبداعية وغيرها وإلحاقها إلى الشخص . ومن هنا كانت السرقات الأدبية المفضوحة مرفوضة ومحرمة لأنها تعد اعتداء على ملك الغير، ولا يختلف أمرها عن السرقات في المجال المادي.
وهنا يكمن الحد الفاصل بين السرقات التي هي غصب واعتداء سافر وموصوف على النصوص دونما حرج في ذلك .أما التناص فهو تفاعل مشروع بين النصوص. غير أنه ينبغي العودة إلى مصطلح السرقات الأدبية الذي ورد استعماله في التراث النقدي العربي القديم ، والذي انطوت تحت مظلته مصطلحات كثيرة دلت على النقد العربي القديم تمثل مفهوم السرقات الأدبية تمثلا واعيا على أنها شكل من أشكال التناص، وبهذه الفكرة يكون تراثنا النقدي قد تعرض إلى فكرة التناص دون أن يشير إلى المصطلح بالصيغة المعاصرة، ويعد ابن رشيق القيرواني في عمدته أحد الأعلام الفكر النقدي القديم الذي تعرض إلى هذه المسألة بشكل دقيق.
لذلك فإن السطو على مجهودات الآخرين يعد “سرقة” يجب عدم التساهل معها، ولهذا السبب يجب فضح هذه السرقات الموصوفة، وتنبيه مسؤولي الجامعات والصحف والمجلات إلى هذه لكن الأكثر انتشارا في السنوات الأخيرة هي سرقة البحوث التي تفشت في الأكاديميات العربية بحجم كبير يصعب إحصاؤه، ومن كل المستويات. طلاب ماجستير يسرقون، وطلاب دكتوراه، وعمداء كليات، ورؤساء جامعات عربية.
والذي لا يسرق يتواطأ مع السارق ويدافع عنه باستماتة. وهناك من يبيع بحثه، وهناك دكاكين لبيع البحوث الجاهزة دون رادع. بل إن الأخ صار ينتحل أخاه، وليست هذه كناية أو مبالغة، فقد سبق لباحث يمني انتحل بحث أخيه!”.المعضلة، والإعلان عنها عبر صفحاته على وسائل التواصل الاجتماعي.
هناك خيط رفيع بين الحقيقة والخيال والعبقرية والجنون وبين السرقة الأدبية وادعاء ملكية الأفكار والنصوص، وتكشف الوقائع اتهام العديد من الكتاب والأدباء العرب بسرقة أفكار ونصوص الآخرين.
وإذا كانت شبكة الإنترنت ساهمت في نشر السرقة الأدبية واتساع مجالها لتشمل مختلف المجالات الأدبية والفكرية والعلمية، فإنها ساهمت أيضا في كشف اللصوص بالبحث الواسع عن أصل النص على الشبكة، ويتوقع اختفاء السرقات الأدبية في المستقبل بعد ظهور برامج جديدة.
ويطالب أدباء ونقاد بضرورة مراعاة الأمانة العلمية بالإشارة إلى المصدر في الهامش بعد تنصيص النص ذاته، كما طالبوا بالتفريق بين السرقة والدسيسة، وعقد مؤتمر أدبي موسع يناقش أبعاد الظاهرة.










